و الحنفية هم أكثر الفقهاء استعمالا للقاعدة بلفظها, كما هو واضح من مصادر ورودها, وقد وردت فروع فقهية عند غيرهم من الفقهاء تدل على اعتبارها عندهم, وهم وإن كانوا لم ينصوا عليها نصا, إلا أن روح القاعدة سارية في فروع فقههم, مما يدل على عدم اختلاف الفقهاء في الأخذ بها إجمالا, وليس الاختلاف في الفروع الفقهية الآيلة إليها بدليل على اختلاف الفقهاء فيها, فإن تطبيق القواعد على الفروع مما تختلف فيه مشارب الفقهاء وطرائقهم, فيختلفون في الفرع الفقهي وإن كانوا متفقين على الأصل؛ لانجذابه لأكثر من أصل.
والقاعدة متفرعة عن قاعدة"كل تصرف لا يحصل مقصوده فإنه لا يشرع, ويبطل إن وقع"كما سبقت الإشارة إليه, وكذلك هي فرع عن القاعدة الأخرى"ما لا فائدة فيه يلغو ويلحق بالعدم"فإن عدم اعتبار ما يعود على مقصوده بالنقض هو من قبيل عدم اعتبار اللغو وما لا فائدة فيه, وقريب من موضوع القاعدة ما تشير إليه قاعدة"كل ما أدى إثباته إلى نفيه, فنفيه أولى"ففي كليهما يؤدي إثبات أمر إلى نفي آخر, غير أن المنفي في قاعدتنا هو مقصود الشيء, بينما المنفي في تلك القاعدة هو ذاته ونفسه, كما تعد القاعدة قيدا للقاعدة الشهيرة:"الوسائل لها أحكام المقاصد"فوسائل المقاصد معتبرة ولها حكمها, إلا إذا عادت عليها بالنقض والإبطال فإنها تكون ساعتها غير معتبرة.
1 -قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} [التوبة: 107]
فإن المساجد إنما شرع بناؤها لإقامة ذكر الله تعالى وجلب الألفة والاجتماع بين المؤمنين وغير ذلك من المصالح الشرعية الجليلة, ولما لم يحقق مسجد الضرار شيئا من ذلك, بل نقضها من أصلها وناقضها أتم مناقضة؛ فاتخذ