ويقابله"الظاهر", وهو ما كان معناه راجحا غير قطعي. وتتحقق صفة القطع كذلك فيما أجمع عليه علماء الأمة. فإجماعهم يدل قطعا على صحة ما أجمعوا عليه. [1]
... ومن المسالك العلمية الدالة على القطع, ما يسمى"التواتر المعنوي"؛ وهو أن يوجد الحكم أو المعنى في نصوص كثيرة مختلفة الألفاظ والمساقات, دلالاتها المنفردة ظنية, ولكنها بمجموعها وتطابقها على مضمون مشترك, تعطي معنى قطعيا, هو المعنى المشترك بينها.
وهذا شبيه جدا بالاستقراء, إلا أنه أبلغ منه, حيث لا يوصف بالتواتر المعنوي إلا ما بلغ مبلغ القطع. لأن التواتر هذا شأنه, لا بد فيه من بلوغ درجة اليقين. أما الاستقراء فقد يبقى ظنيا في بعض حالاته, ومع ذلك فهو يسمى استقراء, أو استقراء ناقصا. ويمكن أن نقول: كل استقراء أوصل إلى القطع فهو تواتر معنوي. والاستقراء - أو التواتر المعنوي - هو أحد المسالك الأكثر اعتمادا لدى العلماء للكشف عن المقاصد والمعاني الكلية للشريعة (1)
... وقريب من هذا المسلك أيضا, ورود المعنى متكررا ومؤكَّدا في نصوص كثيرة, سواء كان ذلك بألفاظ متكررة, أو متشابهة, أو متباينة. فإنَّ تكرار المعنى - أو الحكم - مرات عديدة في نصوص الشرع يعطيه قطعية ترفع عنه الاحتمالات التي قد تكون واردة في حال العبارة الواحدة. فالمعاني, والأوامر والنواهي, التي يكثر ذكرها وتكرارها في نصوص شرعية صحيحة كلها قطعية, ولو كانت أحكامها جزئية.
فيخرج من معناه ما تقدم من حالات القطع؛ لأن القطع يتجاوز درجة الرجحان, وينتفي معه الاحتمال المخالف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - انظر قاعدة:"الطريق الأعظم الذي تثبت به الكليات الشرعية هو الاستقراء المعنوي"بهذا القسم.