يحدَّ لنصب الشارع عليه دليلًا واضحًا كما نصب على التوسعة في وجوه العادات أدلة لا يوقف معها على المنصوص عليه دون ما شابهه وقاربه وجامعه في المعنى المفهوم من الأصل المنصوص عليه ولكان ذلك يتسع في أبواب العبادات, ولمَّا لم نجد ذلك كذلك بل على خلافه دلَّ على أن المقصود الوقوف عند ذلك المحدود إلا أن يتبين بنص أو إجماع معنى مراد في بعض الصور فلا لوم على من اتبعه لكن ذلك قليل, فليس بأصل وإنما الأصل ما عمّ في الباب وغلب في الموضع.
الدليل الثالث: أن وجوه التعبدات في أزمنة الفترات لم يهتدِ إليها العقلاء اهتداءهم لوجوه معاني العادات, فقد رأيت الغالب فيهم الضلال فيها والمشي على غير طريق ومن ثم حصل التغيير فيما بقي من الشرائع المتقدمة, وهذا مما يدل دلالة واضحة على أن العقل لا يستقل بدرك معانيها ولا بوضعها, فافتقرنا إلى الشريعة في ذلك ولما كان الأمر كذلك عذر أهل الفترات في عدم اهتدائهم فقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء 5] , وقال تعالى: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء 65] والحجة ههنا هي التي أثبتها الشرع في رفع تكليف ما لا يطاق والله أعلم, فإذا ثبت هذا لم يكن بد من الرجوع في هذا الباب إلى مجرد ما حده الشارع وهو معنى التعبد.
1 -أن أسباب الأحداث وكيفية التطهر منها أمور تعبدية؛ ولذا فإن الطهارة من الأحداث لا تسقط عن المكلف بمجرد نظافة جسده ولا يرتفع الحدث إلا بالتطهر بالطهارات التي تعبد الله به المكلفين من الوضوء أو الغسل, قال العز بن عبدالسلام:"إذ كيف يناسب خروج المني من الفرج أو إيلاج أحد الفرجين في الآخر أو خروج الحيض والنفاس لغسل جميع أعضاء البدن, ولا مناسبة -أي معقولة ومفهومة -بين المس واللمس وخروج الخارج بين إحدى السبيلين لإيجاب تطهير الأربعة, مع العفو عن نجاسة محل الخروج, ولا للمسح على العمائم"