المذكورة سابقا: إذا تغيرت الحقيقة تغيرت الأحكام. فتغير حقيقة الشيء يستتبع تغير حكمه.
... وهذا معناه ومقتضاه أيضا أن التغيرات الشكلية أو الهامشية أو الاسمية, إذا طرأت على شيء من الأشياء أو فعل من الأفعال, لا تغير حكمه, لأنها لم تغير من حقيقته ولا من صفاته المؤثرة, أي لم تغير مناط الحكم فيه. ومن هنا فإن"اختلاف الأسماء لا تتغير به الأحكام الشرعية"1. فالمواد المسكرة - مثلا - يظل حكمها التحريم, مهما تغيرت أشكالها وأسماؤها وأصولها, بينما المواد التي تكون مسكرة ثم تتغير بما يزيل عنها خاصية الإسكار, يتغير حكمها ويرتفع تحريمها, مهما كان الشكل الذي تتخذه أو الاسم الذي تسمى به.
... ولا يخفى أن معرفة حقيقة التغيرات في الأشياء والأفعال والأحوال, وما إن كانت تُسَوِّغ تغييرات في الأحكام - أو تستوجبها - أم ليست كذلك, وكذلك معرفة ما يقبل التغيير من الأحكام وما لا يقبله أصلا, تحتاج إلى درجات عالية من العلم والخبرة والبصيرة, ولا تتأتى إلا للعلماء المجتهدين الراسخين , على أن يقيموا ذلك ويثبتوه بأدلته الشرعية.
1 -قول الله جل وعلا {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة- 48] . فالآية نصت على اختلاف الشرائع وأثبتت مبدأ التغير في أحكامها, من أمة لأخرى, ومن زمن لآخر.
2 -قوله تبارك وتعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فتح العلي المالك لعليش 1/ 162.