والمخالفة إذا أنتجت من المصالح أو المفاسد أمرا كليا ضروريا, كانت الطاعة من أركان الدين والمعصية كبيرة من كبائر الذنوب, وإن لم تنتج إلا أمرا جزئيا, فالطاعة لاحقة بالنوافل واللواحق الفَضْلية, والمعصية صغيرة من الصغائر" [1] ."
فالنظر إلى هذه الاعتبارات هو الذي يتيح الحكم على مصلحة مرسلة بأنها مشروعة جائزة, وعلى أخرى بأنها مستحبة مندوبة, وعلى ثالثة بأنها من الفرائض اللازمة, عينيا أو كفائيا. مع العلم أن ما يكون جائزا أو مندوبا في حق الأفراد, قد يكون هو نفسه واجبا في حق الجماعة, أو في حق الدولة.
وكل هذا إنما يقدره - في حينه- المجتهدون والمفتون , وولاة الأمر المختصون.
أورد الشاطبي عشرة أمثلة لأحكام شرعية بناها الصحابة والفقهاء بعدهم, على المصلحة المرسلة [2] . ونحن سنقتصر على ذكر المثالين الأولَ والثاني منها.
1.المثال الأول"أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم اتفقوا على جمع المصحف, وليس ثم نص على جمعه" [3]
وبعد أن ذكر تفاصيل هذا المثال ووقائعه التاريخية, قال:"ولم يرد نص عن النبي صلى الله عليه و سلم بما صنعوا من ذلك, ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعا؛ فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة - والأمرُ بحفظها معلوم - وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن, وقد عُلم النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد عليه" [4] . ثم قال:"وإذا استقام هذا الأصل فاحمل عليه كتب العلم من السنن"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 2/ 299 - 300.
[2] انظر الأمثلة العشرة في الاعتصام 2/ 115 إلى 129.
[3] الاعتصام 2/ 115.
[4] الاعتصام 2/ 117.