وهذه القاعدة تدخل في باب الرجوع إلى القرائن في الأحكام وهو متفق عليه بالجملة, إلا أنه بناء على أن الاشتغال بغير المقصود لا يتصور أن يكون إعراضًا عنه إلا حين يكون المقام يقتضي من المكلف التصرف دون تراخ, فإن الفقهاء اختلفوا في بعض فروعها تبعًا لاختلافهم في لزوم الفورية فيها. ويتضح ذلك في بيان خلافهم في مسألة:"من قال لامرأته إن شئتِ فأنت طالق": فإن الحنفية والشافعية يرون أن تعليق الرجل الطلاق بمشيئة زوجته"يختص بالمجلس لأن التعليق بالمشيئة يشبه استدعاء جواب وقبول [1] ". فإن اشتغلت بعمل يعرف أنه قطع لما كانا فيه من ذكر الطلاق, تحقق بذلك الإعراض عن المشيئة وبطل الطلاق به جريا على القاعدة [2] . وللحنابلة أنه تعليق للطلاق على شرط فكان على التراخي كسائر التعليقات [3] , فالمسألة غير داخلة عندهم في القاعدة بهذا الاعتبار, أما المالكية فلهم في المسألة قولان: وافقوا الحنفية والشافعية في أحدهما, والحنابلة في الآخر [4] , علمًا بأنه يلزم عندهم أن يحال بين الزوجين حتى تجيب الزوجة [5] .
ومجال هذه القاعدة واسع يشمل كل ما كان الإعراض مؤثرًا في حكمه من المعاملات والعادات.
قاعدة:"الدلالة تعمل عمل الصريح إذا لم يوجد صريح يعارضها [6] ", وأدلتها, لأن دليل الأصل دليل لفرعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الوسيط للغزالي 5/ 335.
[2] المبسوط للسرخسي 6/ 196 - 197، وانظر: شرح النيل وشفاء العليل لأطفيش 7/ 477، وعبارته:"وإن قال: إذا شئت أو إن شئت وقامت من مكانها ولم تشأ زال عنها".
[3] المغني لابن قدامة 7/ 260.
[4] انظر: التاج والإكليل للمواق 4/ 97؛ الفواكه الدواني للنفراوي 2/ 44.
[5] انظر: مختصر خليل ص 142.
[6] ترتيب اللآلي لناظر زاده 2/ 703، حاشية الطحطاوي 1/ 220، كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري 1/ 175.