وعلى هذا فإن مجرد احتمالية وقوع المفسدة لا يمنع من الإقدام على أسباب المصالح المشروعة, ما دامت هذه الاحتمالية نادرة وقليلة وحصول المصلحة هو الذي يغلب تحققه وتنجيزه, فزراعة العنب مثلًا لا تمنع ولا تحرم وإن كان يخشى من استعماله في صناعة الخمر؛ لأن هذه مفسدة نادرة, في مقابل المصالح الكثيرة الغالبة التي تترتب على زراعته. والتجاور في البيوت لا يحظر حتى لو توقع التسبب في الاطلاع على العورات أو الوقوع في الزنا, لأن احتمالية حصول هذه المفاسد نادر وقليل في جوار المصالح الغالبة الكثيرة التي تنبني على هذا التجاور. واستعمال السيارات لا يمنع وإن كان الوقوع في الحوادث والكوارث التي تؤدي إلى الخسائر البشرية والمادية ممكن ومحتمل؛ لأنها مفاسد نادرة مقارنة مع المنافع الغالبة التي يجنيها الإنسان من استعماله للسيارات والمركبات الحديثة.
ولو أن المفاسد التي يندر وقوعها كانت ذات تأثير على المصالح الغالبة لأفضى ذلك إلى إغلاق أبواب الحلال بالكلية, إذ ما من سبب مشروع إلا ويحتمل أن يؤدي إلى مفسدة محرمة, وفي هذا إفساد لحياة الناس بتعطيل مصالحهم المنجزة المشروعة خشية من مفاسد نادرة متوهمة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تقديم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة, يلزم عنه: وجوب تقديم المصلحة اليقينية على المصلحة المتوهمة, إذ ما دام الظني الغالب مقدمًا على المتوهم النادر, فمن باب أولى أن يكون اليقيني مقدمًا على النادر أيضًا, مصلحة كان أو مفسدة, لأن اليقين أقوى من الظن في الحجية والاعتبار.
تستند هذه القاعدة على جملة الأدلة التي أرشدت إلى مشروعية العمل بالظن الراجح وترك الوهم المرجوح, فالأخذ بالمصلحة الغالبة هو من صميم العمل بالظن الراجح, وترك المفسدة النادرة هو من آثار اطِّراح الوهم المرجوح, ومن هذه الأدلة: