تكشف هذه القاعدة عن أصل من أصول الشريعة الإسلامية, ومقصد عظيم من مقاصدها العامة, وقد تقرر في قاعدة"المقاصد الشرعية ضروريات وحاجيات وتحسينات"أن المصالح الضرورية التي لا تقوم الحياة ولا تستقيم إلا بها تدور حول حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال, وتتناول هذه القاعدة على وجه الخصوص مصلحة الحفاظ على النسل, ومكانتها في الاعتبار الشرعي, وتبين أن الحفاظ على النسل هو مقصد كلي تفرع عنه وانبنى عليه الكثير من الفروع والجزئيات.
والنسل في اللغة هو الولد والذرية. [1] وحول هذا المعنى اللغوي يدور استعمال العلماء لهذا اللفظ, إذ يقصدون به الولد والذرية التي تعقب الآباء وتخلفهم في بقاء و استمرار وجود النوع الإنساني. [2]
والحفاظ على النسل وفق هذا المعنى هو من مقتضيات استقامة الحياة واستمرارها, إذ به تتحقق عمارة الأرض ونهضتها ونموها وازدهارها, وبه تعزز الأمم قوتها, وتحمي حقوقها, وتصون أعراضها وأموالها, وبه تستمر الحياة وتدوم وتبقى, ولذا قال الشاطبي:"ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء". [3]
ومن أجل ذلك فقد اعتبر الحفاظ على النسل أحد المصالح الخمس الضرورية في الشريعة الإسلامية, لأن ضياعه يعني تناقص النوع الإنساني ومن ثم فناؤه وانقراضه.
وقد وضح ابن عاشور أن النسل الذي يقصد الشارع إيجاده هو النسل المنتفي عنه الشك في النسب حيث قال:"تبتدئ آصرة القرابة بنسبة البنوة والأبوة, فعن اتصال الذكر والأنثى نشأ النسل. ولكن النسل المعتبر شرعا هو الناشئ عن"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] لسان العرب لابن منظور 11/ 660، مادة نسل.
[2] انظر: مقاصد الشريعة ليوسف العالم ص 393.
[3] الموافقات للشاطبي 2/ 17.