وقد اعتنى الإمام الشاطبي - عناية خاصة لا مثيل لها - بتقرير هذه القضية وصياغتها, واعتبارها قاعدة كلية ومقصدا عاما من مقاصد الشريعة.
من ذلك قوله:"المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه, حتى يكون عبدًا لله اختيارا كما هو عبدٌ لله اضطرارا." [1] , وقوله:"الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراجَ المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله." [2] , وقوله:"قصدُ الشارع الخروج عن اتباع الهوى والدخول تحت التعبد للمولى." [3] , وقوله:"الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه, حتى يكون عبدًا للّه." [4] ,"ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب." [5]
... وتعتبر هذه القاعدة امتدادا لقاعدتين سابقين, هما قاعدة (المصالح المعتبرة شرعا هي ما يقيم الحياة الدنيا للحياة الآخرة لا اتباعُ أهواء النفوس) وقاعدة (المقصد العام للتشريع هو صلاح نظام الأمة بصلاح الإنسان المهيمن عليه) , حيث تفيد أولاهما أن المصالح المعتبرة شرعا لا يدخل فيها مجاراة الأهواء ... وتفيد الثانية أن صلاح الإنسان هو أساس المصالح المجتلبة في الشرع, وهذا لا يتحقق ولا يستقيم مع مجاراة الأهواء والشهوات, بل هي تفسد الإنسان والنظام العام معا, كما تقدم بيانه.
... سرد ابن الجوزي معظم آيات الباب في قوله:"وإذ قد ذكرنا في هذا الفصل مِن ذمِّ الهوى ما أملاه العقل, فلنذكر من ذلك ما يحويه النقل."ثم قال:
"فصل: قد"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 2/ 168.
[2] المصدرالسابق 2/ 153.
[3] المصدر السابق 2/ 170.
[4] الاعتصام للشاطبي 1/ 531.
[5] الموافقات 4/ 143.