تُبيِّن هذه القاعدة أن الوسائل تستمد فضلها ومكانتها واعتبارها من مقاصدها التي تفضي إليها, فكلما عظُمَت مكانة وفضل المقصد المطلوب عظمت مكانة وفضل وسائله التي توصل إليه, وكلما انخفضت مكانة وفضل المقصد انخفضت مكانة وفضل وسائله.
وعلى هذا فإن معيار التفاضل والتمايز بين الوسائل يتمثل بالنظر إلى رتبة ودرجة مقاصدها التي ترتبط بها طردًا وعكسًا.
وتعتبر هذه القاعدة من القواعد المتولّدة والمتفرعة عن قاعدة"وسيلة المقصود تابعة للمقصود"؛ ذلك أن من صور وأشكال تبعية الوسيلة للمقصد أن تتبعه في قدره ومكانته, وفضله وحسنه, وعلوّه وشرفه.
وقد اعتنى العز بن عبد السلام بتقرير هذه القاعدة وتوسّع في إيراد شواهدها وتطبيقاتها وأمثلتها حيث قال:""يختلف أجر وسائل الطاعات باختلاف فضائل المقاصد ومصالحها, فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل من سائر الوسائل.
... فالتوسل إلى معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته أفضل من التوسل إلى معرفة أحكامه, والتوسل إلى معرفة أحكامه أفضل من التوسل إلى معرفة أيامه, والتوسل بالسّعي إلى الجهاد أفضل من التوسل بالسّعي إلى الجمعات, والتوسل بالسّعي إلى الجمعات أفضل من التوسل بالسّعي إلى الجماعات في الصلوات المكتوبات, والتوسل بالسّعي إلى الصلوات المكتوبات أفضل من التوسل بالسّعي إلى المندوبات التي شرعت فيها الجماعات كالعيدين والكسوفين." [1] "
وبيَّن رحمه الله أن التفاوت بين الوسائل تبعًا لتفاوت مقاصدها قاعدة مطردة عامة تشمل وسائل المفاسد مثلما تشمل وسائل المصالح, حيث تتفاوت وسائل المفاسد فيما بينها في الوِزر والإثم, تبعًا لتفاوت المفاسد التي تترتب عليها, قال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 104.