العز:"يختلف وِزر وسائل المخالفات باختلاف رذائل المقاصد ومفاسدها, فالوسيلة إلى أرذل المقاصد أرذل من سائر الوسائل, فالتوسل إلى الجهل بذات الله وصفاته أرذل من التوسل إلى الجهل بأحكامه, والتوسل إلى القتل أرذل من التوسل إلى الزنا, والتوسل إلى الزنا أقبح من التوسل إلى الأكل بالباطل, والإعانة على القتل بالإمساك أقبح من الدلالة عليه, وكذلك مناولة آلة القتل أقبح من الدلالة عليه." [1]
وهنا قد يرد تساؤل مفاده: أنه ما دامت المقاصد -مصالح كانت أم مفاسد -هي الأساس الذي ينبني عليه تحديد فضل الوسيلة وأهميتها, أو شدتها وخطرها, فما هو الأساس الذي يمكن اعتماده لتحديد مكانة المقصد نفسه أي لمعرفة مكانة المصالح والمفاسد التي تفضي إليها الوسائل؟
ويجاب على هذا بالقول: إن هذه المعايير هي ما تقدّم بيانه وتفصيله في مراتب المقاصد الشرعية و قواعد الترجيح بين المصالح المتعارضة حيث يمكن معرفة مكانة المصلحة أو خطر المفسدة من خلال النصّ الشرعي نفسه, الذي يكشف في بعض الوقائع والصور عن كون هذه المصلحة أفضل من تلك المصلحة, وأن هذه المفسدة أشد من تلك المفسدة, كما في قوله تعالى في التفضيل بين المصالح: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19]
أو قوله تعالى في التفاوت بين المفاسد: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المرجع السابق 1/ 107.