وقد نقل بعض الأصوليين [1] أن الشِّق الأول من القاعدة وهو الاستثناء من الإثبات نفي لا نزاع فيه بين العلماء, وإنما النزاع في الشِّق الثاني وهو كون الاستثناء من النفي إثباتًا.
لكن المحققين من العلماء كالقرافي [2] , ومن تابعه [3] نصُّوا على أن الخلاف ثابت في الشّقين معًا؛ يقول المطيعي: «فما نقله الشافعية من أن خلاف الحنفية في كونه من النفي إثباتًا فقط, وأما قولهم من الإثبات نفي فمتفق عليه ليس مطابقًا لما ثبت عنهم من الخلاف في الوجهين.» [4]
والخلاف في القاعدة إنما هو في الاستثناء المتصل؛ أما المنقطع - وهو الاستثناء من غير الجنس - فلا إخراج فيه بالاتفاق؛ بل ما بعد إلا محكوم عليه بضد الحكم السابق كما في قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] فالمراد أن لهم به اتباعَ الظَّنِّ لا العلم؛ وإن لم يكون الظن داخلا في العلم. قال ابن النجار: «ومحل الخلاف في الاستثناء المتصل؛ لأنه فيه إخراج, أما المنقطع فالظاهر أن ما بعد إلا محكوم عليه بضد الحكم السابق» . [5]
1 -هذه القاعدة جارية على مقتضى اللسان العربي؛ فإن المنقول عن أهل اللغة أن الاستثناء من الإثبات نفي, ومن النفي إثبات؛ وعلى ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] التحصيل من المحصول لسراج الدين الأرموي 1/ 377 ط: مؤسسة الرسالة؛ وإرشاد الفحول للشوكاني 1/ 255 ط: دار الفكر - بيروت - الطبعة الأولى 1412 هـ.
[2] الاستغناء في الاستثناء للقرافي ص 454، و 459 ط: دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى 1406 هـ؛ ونفائس الأصول للقرافي 5/ 2010.
[3] انظر: نهاية الوصول للهندي 4/ 1540 وما بعدها؛ وجمع الجوامع مع شرح المحلي 2/ 50؛ وسلم الوصول للمطيعي مع نهاية السول 2/ 422.
[4] سلم الوصول للمطيعي مع نهاية السول 2/ 422.
[5] شرح الكوكب المنير لابن النجار 3/ 344؛ وسلم الوصول للمطيعي 2/ 409.