والطعام لما كان قوام بنية الإنسان وحافظا لجنس البشر, وسببا للمعونة على العبادة, مُنع بيعه نسيئة بعضه ببعض, ومنع بيعه قبل قبضه بالإجماع دون غيره من السلع. [1]
وهذه القاعدة أكثر الإمام القرافي من ذكرها في مواضع متعددة, وذكر أنه يتخرج عليها كثير من أبواب المعاملات, ومن ذلك أكثر مسائل المقاصة في الديون. [2] ولم يخالف أحد من الفقهاء في أصل هذه القاعدة وإن لم ينصوا عليها بلفظها.
وكما شدد الشرع في كل ما عظم قدره وشرفه بتكثير شروطه والتشديد في حصوله, فإنه قد وسع في كل ما كان على سبيل الإحسان والمعروف, وسهل في أسبابه, ويسّر شروطه, واغتفر فيه ما لم يغتفره في غيره. فالقرض والهبة والصدقة والوصايا وغيرها من أنواع البر والمعروف قد وسع الشرع فيها؛ تسهيلا لطرق المعروف حتى يكثر وقوعه. [3]
1 -قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [سورة البقرة: الآية 214] وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] ووجه الدلالة: أن الجنة هي أعظم مطلوب, وقدرها وعلو منزلتها عند الله تعالى جعلها لا تنال بالطرق السهلة, فقد أنكر الله تعالى في الآيتين على من ظن أنه يدخل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر الذخيرة 5/ 299.
[2] انظر الذخيرة 5/ 299، الفروق 3/ 281 - 282.
[3] انظر القواعد والضوابط الفقهية القرافية في زمرة التمليكات المالية لعادل قوتة 1/ 363.