رأينا فيما سبق أن الدين في أساسه ومجمله, إنما هو وفاء بالعهود والالتزامات, وأداء للحقوق والأمانات, وأنه"لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له". ولذلك قال بعض الصحابة رضي الله عنهم:"لا يغرنكم صلاة امرئ ولا صيامه , من شاء صام ومن شاء صلى, ألا لا دين لمن لا أمانة له" [1]
ويرى الراغب الأصفهاني أن الوفاء من ضرورات الإنسان والحياة الإنسانية, فمَنْ فقده فقدَ إنسانيتة, وفقدَ صلاحيته للحياة الإنسانية الاجتماعية. قال:"والوفاء يختص بالإنسان؛ فمن فُقِدَ فيه فقد انسلخ من الإنسانية, كالصدق. وقد جعل الله تعالى العهد من الإيمان, وصَيَّره قِوامًا لأمور الناس؛ فالناس مضطرون إلى التعاون, ولا يتم تعاونهم إلا بمراعاة العهد والوفاء, ولولا ذلك لتنافرت القلوب وارتفع التعايش, ولذلك عظَّم اللهُ تعالى أمره ..." [2] . وفيما يلي بعض الوجوه التطبيقية, ذات الأولوية الشرعية, للوفاء.
1 -لقد أعطى الله تعالى المثال من نفسه - ولله المثل الأعلى - في وفائه وإيفائه وتوفيته لعباده, بكل وعوده وعهوده لهم. {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة - 111]
... وأخبرنا في مواضعَ كثيرةٍ من كتابه أنه سبحانه {لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران - 9 - الرعد- 31 - الزمر - 20] , وأنه يوفي كل واحد حقه وثمرة عمله:
{وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [هود - 111] .
{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران - 25] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البيهقي في الكبرى 6/ 471 (12694) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ورواه في شعب الإيمان 4/ 326 (5279) عن عائشة رضي الله عنها ثم قال: والمحفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه 6/ 160 (30326) عن عروة بن الزبير قوله.
[2] الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب ص 209 - 210.