تكشف هذه القاعدة عن سنّة مطرّدة في الشريعة الإسلامية مضى عليها الشارع الحكيم في تكاليفه العديدة التي كلّف بها عباده فيما حرّم عليهم وأحل لهم, ومفاد القاعدة: أن الشارع لا يحرِّم على عباده شيئا إلا ويكون قد أحل في مقابله ما هو خير للعباد وأنفع لهم في تحقيق مصالحهم الدنيوية والأخروية. وقد قرر ابن القيم هذه القاعدة وبينها بقوله:"ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حِكمها رأى ذلك ظاهرا على صفحات أوامرها ونواهيها باديا لمن نظره نافذ, فإذا حرم عليهم شيئا عوضهم عنه بما هو خير لهم وأنفع, وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه" [1] , فما حرمه الله مثلا من الربا والزنا والخبائث من الطعام والشراب, أحلّ في مقابله البيع والزواج والطيبات من الطعام والشراب, وذلك نظرا لما في المحرمات من المفاسد والأضرار, وفي المباحات من المنافع والمصالح.
ولا يقصد من هذه القاعدة التلازم الزمني بين الحلال والحرام بحيث يكون ما أحله الشارع يأتي تشريعه مباشرة عقب ما حرمه, وإنما المقصود منها وجود الخيارات المشروعة في الجملة إزاء كل فعل محرم, سواء أكان المشروع متقدما على المحرم أو متأخرا عنه في زمان التشريع, فتشريع الحلال النافع عوضاَ عن المحرم الضارّ يمكِّن العباد من الاستغناء عن الوقوع فيما حرم عليهم, ويعينهم على الالتزام بالتكاليف ما دام قد شرع لهم النافع الذي يلبي مطالبهم الفطرية ويشبع رغائبهم الغريزية ويحقق حاجاتهم الطبيعية.
وإن تشريع البدائل النافعة للعباد قد يكون تشريعا أصليا ابتدائيا, كالزواج في مقابل الزنا, وكالبيع في مقابل الربا, وقد يكون تشريعا استثنائيا للحالات الخاصة التي فيها مشقة وحرج من الالتزام بالأحكام الأصلية التي تقتضي تحريم بعض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: إعلام الموقعين لابن القيم 2/ 166.