ومن الصيغ الصريحة في الدلالة على الإباحة - كذلك - نفي الإثم؛ كقوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَومَينِ فَلَا إِثمَ عَلَيهِ} [البقرة: 203] . ونفي الحرج؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في الحج:"افعل ولا حرج" [1] . ونفي السبيل؛ كقوله تعالى: {مَا عَلَى لمُحسِنِينَ مِن سَبِيل} [التوبة: 91] . و نفي المؤاخذة؛ كقوله تعالى: {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ للَّهُ بِللَّغوِ فِي أَيمَنِكُم} [البقرة: 225] . واستنكار التحريم؛ كقوله تعالى: {قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ للَّهِ لَّتِي أَخرَجَ لِعِبَادِهِ وَلطَّيِّبَتِ مِنَ لرِّزقِ} [الأعراف: 32] . ومنها كذلك أن يُصرِّح بالحل؛ كقوله تعالى: {ليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ لطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ لَّذِينَ أُوتُوا لكِتَبَ} [المائدة: 5] . والاستثناء من التحريم؛ كقوله تعالى: {وَقَد فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيكُم إِلَّا مَا ضطُرِرتُم إِلَيهِ} [الأنعام: 119] .
وقد خرج من هذه القاعدة نفي الجناح في قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] فنفي الجناح هنا لا يستلزم التخيير بين الفعل والترك؛ لأن الطواف بالبيت علم وجوبه بأدلة أخرى. [2]
ويرى الشاطبي: أن نفي الجناح لا دلالة فيه على حكم الإباحة على الخصوص؛ وغاية ما يدل عليه هذا اللفظ هو رفع الحرج عن المكلف إذا وقع في الفعل. وقد يكون ذلك في الفعل المكروه فإنه إذا وقع فيه المكلَّف لا يلحقه الإثم والمؤاخذة, أما حكم الإباحة أو غيره فيستفاد من دليل خارجي. [3]
دليل هذه القاعدة استقراء المواطن التي ورد فيها (نفي الجناح) في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 1/ 28 (83) وفي مواضع أخر؛ ومسلم 2/ 948 (1306) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
[2] انظر: المرافق لماء العينين 1/ 74؛ وأحكام القرآن لابن العربي 1/ 84؛ وتفسير القرطبي 2/ 182.
[3] انظر: الموافقات للشاطبي 1/ 231، و 1/ 478 - 479.