فهرس الكتاب
قد تعترف الشريعة للكافر بتملك ما لا يصلح إلا له لانعدام قيمته الشرعية كمحرَّم الأكل أو الشرب أو الاقتناء.
ومعنى القاعدة التي بين أيدينا أن مثل هذه الأشياء لا تكون مضمونة للكافر إذا وقع من المسلم موجب لضمانها كإتلافها عليه مثلا. فالمسلم لا يكون ضامنا للكافر إلا ما لو أتلفه على مسلم ضمنه له, كما تصرح به الصيغة الأخرى للقاعدة:"كل عين لم يضمنها المسلم بإتلافها للمسلم لم يضمتها بإتلافها على الكافر". أي أنه يشترط في المضمون في حق المسلم أن يكون صالحا لأن يدخل في ملكه بأن تكون له قيمة شرعية.
وهذه القاعدة ليست محل اتفاق حيث تجاذبها أصلان متعارضان:
فالقائلون بها وهم الشافعية والحنابلة والظاهرية [1] , يحتجون بما يلزم من تضمين المسلم ما لا يجوز له اقتناؤه, من تعمير ذمته بما لا يجوز له تملكه, وهو ما يتعارض مع قاعدة:"كل عين لم يصح أن تشغل ذمة المسلم بثمنها لم يصح أن تشغل ذمة المسلم بقيمتها", ثم إن في عدم تضمينه ما لو فرض إتلافه عليه لم يضمن المُتلِف شيئا, وجها من العدل والإنصاف. كما احتجوا لها كذلك بأدلة نقلية يأتي ذكرها في محله من هذه الصياغة.
أما المخالفون في القاعدة وهم الحنفية والمالكية فيرون أنها تتعارض مع ما منحته الشريعة السمحة من حصانة لمال الكافر غير المحارب تقتضي ضمان ما أتلف منه عدوانا كسائر الأموال المعصومة. فهؤلاء نظروا إلى حال المال المضمون بالنسبة لمالكه لا بالنسبة لمتلفه فحيث أجيز للكافر تملكه ناسب ذلك تضمين من أتلفه عليه عملا بمقتضى قاعدة:"ما كان متمولا عند مالكه ضمن"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يقول ابن حزم:"من أتلف مالا لا يحل تملكه فقد أحسن ولا شيء عليه"، المحلى لابن حزم 8/ 148.