بعض المسائل تكون داخلة في القاعدة, ومع ذلك يحكم بخروجها عن القاعدة, وذلك لما لابس المسألة من وجود ضرورة [1] فيها تمنع من إلحاقها بالقاعدة, بحيث إن ضرورة المكلف في هذه المسألة لا ترتفع بالحكم الوارد في القاعدة, فيُحْكَم باستثنائها من القاعدة, وتُعْطَى حكمًا خاصًّا ترتفع به الضرورة.
وهذا السبب أشار له بعض العلماء, فمن ذلك قول القرافي:
"ولا غرو في الاستثناء من القواعد لأجل الضرورات" [2] .
ومن ذلك قول الأتاسي:
"لكن ربما يعارض بعضَ فروع تلك القواعد ... أو ضرورةٌ مؤثرة تخرجها عن الاطراد, فتكون مستثناة من تلك القاعدة" [3] .
ومن الأمثلة على هذا السبب: قاعدة (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) , وقد ذكرها بعض العلماء [4] , ومعناها: أن الشيء إذا كان مما يحرم على الإنسان أن يأخذه فإنه يحرم على غيره أن يعطيه إياه, ولكن لهذه القاعدة بعض المستثنيات؛ حيث يحرم فيها الأخذ ومع ذلك لا يحرم الإعطاء بسبب ما صاحبها من ضرورة, ومن تلك المستثنيات ما ذكره الأتاسي بقوله:
"ولهذه القاعدة مستثنيات حال الضرورة, كمن وقع تحت يد قطاع الطريق, وخاف على نفسه الهلاك منهم, ولا يمكن خلاصه إلا برشوة يدفعها لهم, فالإعطاء غير ممنوع في حق المعطي, حرام في حق الآخذ" [5] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الضرورة عُرِّفت بتعريفات متعددة، وبعضها يلاحظ عليه قصر الضرورة على ضرورة البدن المتعلقة بالغذاء، ويبدو أن من أجود التعريفات وأجمعها تعريف علي حيدر، وقد عرف الضرورة بقوله:"الضرورة: هي الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعًا"درر الحكام 1/ 38؛ وانظر: الضرورة والحاجة وأثرهما في التشريع الإسلامي للدكتور عبدالوهاب أبو سليمان ص 23.
[2] الفروق 1/ 12.
[3] شرح المجلة 1/ 11، 12.
[4] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي 150؛ والأشباه والنظائر لابن نجيم 158؛ ومجلة الأحكام العدلية (14) المادة رقم (34) .
[5] شرح المجلة 1/ 77، 78.