الأصل في معنى التدبير لغة النظر في العواقب, وما يؤول إليه الأمر يقال: استدبر الأمر: رأى في عاقبته ما لم ير في صدره, ومنه قولهم:"لو استقبل من أمره ما استدبره لهدي لوجهة أمره أي لو علم في بدء أمره ما علمه في آخره لاسترشد لأمره [1] . والتدبير اصطلاحا لا يخرج عن المعنى اللغوي بمعنى النظر في العواقب: ومنه قولهم:"ولو عدم العقل لارتفع التدبير" [2] ."
ويقصد بالتدبير السياسي: ما ينظم به شؤون الدولة الإسلامية, من النظم والمؤسسات التي تتفق وأصول الإسلام, وإن لم يقم على كل تنظيم دليل خاص [3] , بمعنى أن التشريع والتنفيذ يدخلان في مفهوم التدبير.
فالتشريعات التي تصدرها الدولة لتنظيم المباح وتنظيم الانتفاع في الحقوق يشترط لها أن تستند إلى أدلة كلية, وعبر عن هذا المعنى الجويني بقوله: التدابير إذا لم يكن لها عن الشرع صدر فالهجوم عليها خطر [4] , وهو بهذا يشير إلى شروط المصلحة المعتبرة في صحة القرار السياسي, ومعنى الصدر هنا أي الدليل الذي تصدر عنه, والمقصود بالهجوم عليها أي تبنيها والعمل بها.
وعليه فللدولة أن تضع من التدابير والتشريعات ما يحقق التنمية ويدفع التخاصم ويفي بالحاجات, وينظم أمور المجتمع في التعامل مع المستجدات, كالضمان الاجتماعي, والتقاعد الوظيفي, والتأمين الطبي ولو لم يكن في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] لسان العرب لابن منظور، نشر: دار صادر، بيروت، 4: 273.
[2] بدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق، دراسة وتحقيق محمد بن عبد الكريم، نشر: دار العربية للكتاب، ليبيا، 1: 201.
[3] السياسة الشرعية، لعبد الوهاب خلاف، القاهرة: نشر: دار الأنصار،1977، ص 5.
[4] غياث الأمم للجويني، ص، 196 في المطبوعة حظر أي من المحظور، وفي نسخة من تحقيق عبد العظيم الديب فقرة 377"فالهجوم عليها خطَر". أي من الخطورة.