فهرس الكتاب

الصفحة 3018 من 19081

المقاصد والنيات أساس الأعمال والتصرفات, وعليها تترتب نتائجها وأحكامها. أما الألفاظ فقد وضعت بين الناس تعريفا ودلالة على ما في نفوسهم, فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه, فإذا اجتمع القصد واللفظ ترتب الحكم, ولكن إذا اختلف القصد واللفظ, بأن كان اللفظ متضمنا لحكم والمعنى متضمنا لحكم آخر, أو قصد شيئا وتلفظ بغيره؛ فهل يعتد باللفظ المنطوق أو بالمعنى المقصود؟ فتفيد القاعدة أن المعتبر هو القصد والغاية؛ فإذا ظهر القصد كان الاعتبار له, ويقيد اللفظ به, ويرتب الحكم بناء عليه؛ وذلك لأن"المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها" [1] , فهي قوالب للمعاني, ووسيلة للتعبير عنها, وطريق للإفصاح عن القصد, والمعنى هو المقصود الحقيقي, فالعبرة بالمقصود, لا بوسيلته الدالة عليه الكاشفة عنه.

وتعارض القصد واللفظ له حالات:

الحالة الأولى: أن يقصد شيئا, ويسبق لسانه إلى لفظ آخر لم يرده؛ فهذا لا يؤاخذ بلفظه؛ فالشارع لم يرتب الأحكام على مجرد الألفاظ مع العلم أن المتكلم بها لم يرد معانيها, وإنما نطق بها من غير قصد؛ كمن جرى الكفر على لسانه خطأ من غير قصد, لم يكفر؛ كالذي أراد أن يقول:"اللهم أنت ربي, وأنا عبدك", فقال خطأً من شدة فرحه بوجود راحلته بعد يأسه منها:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك" [2] , وكمن أراد أن يقول لزوجته: أنت حائض, فأخطأ وقال: أنت طالق؛ فمثل هؤلاء لا يؤاخذون بلفظهم إذا ظهر قصدهم, قال الشافعي:"ما غلب المرء على لسانه, بغير اختيار منه لذلك, فهو كلا قول, لا يلزمه به طلاق ولا غيره" [3] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4/ 259.

[2] انظر نص الحديث في صحيح مسلم 4/ 2104.

[3] المحلى لابن حزم 9/ 460.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت