خلافه. وسيأتي ذكر بعض من النصوص الشرعية في هذا الباب, مع مزيد تفصيل وبيان, عند تناولنا لقاعدة"إخراج المكلف عن داعية هواه" [1] .
3_ باستقراء أحكام الشريعة, نجد أنها متضمنة دائما كبحَ الشهوات وترويضها وتهذيبها, وضبطَ الاستجابة لها في الحدود المعقولة والبناءة. وهذا جارٍ وواضح في جميع أبواب الشريعة, من عبادات وعادات ومعاملات ومناكحات وعقوبات ...
4_ ما تقدم ذكره من كون المصالح التفصيلية - في غالبها - نسبية إضافية, يختلف تقديرها من شخص لآخر, ومن حالة لأخرى حتى عند الشخص الواحد, يجعل من غير الصواب إسناد التصرف للناس في تقدير مصالحهم وجلبها, وتقدير مفاسدهم ودرئها, دون ضبط ولا شرع. ولا شك أن الشرع المبرأ بالكلية عن الأهواء والشهوات, وعن الذاتية والنسبية, هو الشرع المنزل من الله تعالى. فهو المعيار المعصوم في معرفة حقيقة المصالح والمفاسد, وفي وضع مراتبها وموازينها.
1_ قال الشاطبي:"هذه المسألة إذا فُهمت, حصل بها فهم كثير من آيات القرآن وأحكامه, كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة-29] , وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية-13] , وقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق} [الأعراف-32] الآية, وما كان نحو ذلك, من أنها ليست على مقتضى ظاهرها بإطلاق, بل بقيود تقيدت بها حسبما دلت عليه الشريعة في وضع المصالح ودفع المفاسد, والله أعلم" [2] . ويقصد الشاطبي أن ما هيأه الله وأباحه وسخره لعباده, من متع ونعم وملذات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظرها في قسم القواعد المقاصدية.
[2] الموافقات للشاطبي 2/ 48.