فالبناء على فعل الغير في العبادات استثناء لأن الأصل في العبادات أن من شرع في شيء منها فعليه أن يتمها بنفسه.
والأصل في العقود أن يتمَّها من باشر عقدها والتزم بإبرامها, إلا أنه قد يحدث ما يمنعه من إتمامها, فعند ذاك جوز بعض الفقهاء أن يتمَّها غيره كالوارث مثلًا وهذا المعنى هو ما جاء في القاعدة ذات العلاقة: (العقود اللازمة لا تبطل بالموت) . ولا يشكل على القاعدة موضوع الصياغة ما ورد في قاعدة: (فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره) , إذ إنها وردت في سياق خاص بالجنايات [1] . كما لا يشكل أيضًا معنى الضابط (البناء على عمل الغير في النّسك متعذّر) الوارد في فقرة قواعد ذات علاقة لأن مبناه على الاختلاف في تطبيقات القاعدة وإلا فيوجد من الفقهاء من يرى عكس هذا الرأي.
... والحاصل في هذا المقام أن البناء على فعل الغير جائز على العموم مع اختلاف فيما يصلح فيه البناء وما لا يصلح, وما يستثنى وما لا يستثنى, وذلك اعتمادًا على نظر الفقيه واجتهاده.
... وهذه القاعدة منتشرة ومعمول بها على العموم عند الفقهاء مع أنها استثناء من الأصل في فعل الإنسان - سواء في العبادات أو المعاملات - وهو أن يعمل لنفسه ويتم ما ابتدأه.
لقد بني الاستدلال لهذه القاعدة على دليلين جزئيين خاصين بالاستخلاف في الصلاة جوازًا ومنعًا, ثم عدِّيَ إلى أشباهه ونظائره. لذلك كثيرًا ما يقول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري 5/ 65، نهاية المحتاج للرملي 7/ 324، الشرح الكبير لابن قدامة 9/ 631.