معذور؛ قال الونشريسي:"إن وجب العلم, ولم يشق مشقة فادحة: لم يعذر؛ لأن الله تعالى أمر من يعلم بأن لا يكتم, ومن لا يعلم بأن يسأل" [1] .
إلا أن الفقهاء يفرقون بين الأحكام الجلية والخفية, فالعامي يعذر بما خفي من الأحكام على التفصيل الذي سبق بيانه في القاعدة الأم.
وهذه القاعدة أخص من القاعدة الأم؛ لأنها تقتصرعلى الجهل بالأحكام, دون الجهل بالحال ومُتَعَلَّق الحكم, وعلى الجهل بدار الإسلام, دون دار الحرب.
وهي قاعدة تتبناها النظريات القانونية الحديثة أيضا, فإن من المقرر فيها أن الجهل بالقانون ليس عذرًا, لأن الرعية مكلفة أن تعلم به بعد إعلانه ونشره, وإلا لتذرع كل إنسان بالجهل للتخلص من طائلة القانون [2] .
إلا أن القوانين الوضعية لا تفرق بين دقيق الأحكام وجليّها, وبين ما يمكن أن يسع فيه الجهل, وما لا يمكن أن يسع فيه الجهل, بل تؤاخذ الجاهل بها في جميع أحواله, ولكن الشريعة الإلهية لم تؤاخذ الجاهل بها في جميع الأحوال, بل اعتبرت الجهل عذرًا فيما يخفى ويدِقّ من الأحكام؛ رحمةً من الله بعباده.
1 -إذا أنكرت طائفة من المسلمين فرض الزكاة, وامتنعوا من أدائها, كانوا كفارا بإجماع المسلمين؛ ولا يعذرون بجهلهم, وذلك لأنه قد استفاض علم وجوب الزكاة في المسلمين, حتى عرفه الخاص والعام, فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إيضاح المسالك للونشريسي ص 91.
[2] انظر: المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 1087، نظرية الضرورة الشرعية لوهبة الزحيلي ص 120.
[3] انظر: شرح النووي على مسلم 1/ 205، شرح السنة للبغوي 5/ 492.