4 -تقديم المعمولات على عواملها يدل على الحصر. [1] أخص
لما كان مفهوم المخالفة مُنْبثقًا من تعليق حكمِ المذكورِ في النَّظْم على قيدٍ معتبرٍ, وكانت القيود التي تُعَلَّقُ عليها الأحكام متعددة متغايرة كان مفهوم المخالفة أنواعًا متعددة [2] , ومنها مفهوم الحصر.
والحصر لغة: الجَمْع, والمَنْعُ, والإحاطةُ, والحَبْسُ, والتَضْييقُ, يقال حَصَرَه حَصْرًا: إذا ضيَّقَ عليه وأحاط به [3] , قال ابن فارس: «الحاء والصاد والراء أصل واحد, وهو الجمع والحبس والمنع» [4] ولا يَبْعُدُ استخدام الأصوليين للحصر عن المعنى اللغوي؛ حيث إن مفهوم الحصر يُثبِتُ نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه بواسطة إحدى أدوات الحصر, ولا شك أن إثبات نقيضِ الحكم متضمِّنٌ المنعَ من إثبات نفس الحكم.
والقول بحجية مفهوم الحصر على وجه الإجمال هو قول جمهور الأصوليين [5] ؛ حتى إن أكثر المنكرين لمفهوم المخالفة كالحنفية [6] أثبتوا دلالةَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: البحر المحيط للزركشي 4/ 56 ط: الكويت، و انظرها بلفظها في قسم القواعد الأصولية.
[2] انظر: منتهى السول للآمدي ص 328 وما بعدها ط: دار الكتب العلمية؛ وسبل الاستنباط من الكتاب والسنة لمحمود توفيق محمد سعد ص 360 ط: مكتبة وهبة.
[3] انظر: مختار الصحاح مادة: (ح ص ر) .
[4] معجم مقاييس اللغة مادة: (ح ص ر) .
[5] انظر: التمهيد لأبي الخطاب 2/ 224؛ وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص 57 ط: مكتبة الكليات الأزهرية الثانية، 1414 هـ.
[6] نَسب بعضُ الأصوليين - منهم الآمدي في الإحكام والشوكاني في إرشاد الفحول - إلى الحنفية رفضَ الأخذ بدلالة الحصر. وهذه النسبة معارضة بما قَرَّره الكمال بن الهمام - وهو من كبار أصولي الحنفية - في التحرير من أن الحنفية يأخذون بدلالة الحصر؛ على أنها من باب المنطوق لا المفهوم، وتابع الكمالَ على ذلك ابن أمير الحاج - وهو من علماء الحنفية - في شرحه على التحرير، قال ابن أمير الحاج بعد أن ساق مثالا على أخذ الحنفية بدلالة الحصر: «وهذا يفيد بأنهم قائلون بأن الحصر يدل على النفي عن الغير» ثم يُتبع ذلك بقوله: «وحاصل هذا تضعيف نسبة نفي دلالة الحصر على النفي إلى الحنفية؛ لأن كلامهم مشحون باعتباره» . انظر: الإحكام الآمدي 3/ 141 ط: دار الكتب العلمية؛ وإرشاد الفحول للشوكاني ص 160؛ والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج 1/ 119؛ ومناهج الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ على الأحكام لخليفة بابكر الحسن ص 248 ط: مكتبة وهبة.