ومثلما تعتبر هذه القاعدة من ضوابط الاجتهاد المقاصدي, فإنها تعتبر أيضا من الأصول التي يغلق بها باب الابتداع في الدين, سواء بإحداث أفعال تعبدية لم تشرع, أو بإدخال زيادات أو تعديلات على العبادات المشروعة, وهذا ما سيظهر في التطبيقات.
استدلَّ الشاطبي على هذه القاعدة بثلاث أدلة هي: [1]
الدليل الأول: الاستقراء: ذلك أنه بتتبع الكثير من أحكام العبادات نجد أنها لم ترتبط بمعان مناسبة يمكن للعقل أن يفهمها ويدركها, وأنها مبنية على محض التوقف والاتباع, قال الشاطبي:"فإنا وجدنا الطهارة تتعدى محل موجبها, وكذلك الصلوات خُصَّت بأفعال مخصوصة على هيآت مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات. ووجدنا الموجبات فيها تتحد مع اختلاف الموجبات, وأن الذِّكر المخصوص في هيئة ما مطلوب, وفى هيئة أخرى غير مطلوب وأن طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطهور وإن أمكنت النظافة؛ بغيره وأن التيمم-وليست فيه نظافة حسية يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر. وهكذا سائر العبادات؛ كالصوم والحج وغيرهما. وإنما فهمنا من حكمة التعبد العامة الانقياد لأوامر الله تعالى وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه. وهذا المقدار لا يعطي علة خاصة يفهم منها حكم خاص, إذ لو كان كذلك لم يحد لنا أمر مخصوص بل كنا نؤمر بمجرد التعظيم بما حدَّ وما لم يحدَّ, ولكان المخالف لما حُدَّ غير ملوم؛ إذ كان التعظيم بفعل العبد المطابق لنيته حاصلا, وليس كذلك باتفاق فعلمنا قطعا أن المقصود الشرعي الأول التعبد لله بذلك المحدود وأن غيره غير مقصود شرعا" [2]
الدليل الثاني: أنه لو كان المقصود التوسعة في وجوه التعبد بما حدَّ وما لم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر الموافقات 2/ 300 - 307 بتصرف يسير.
[2] الموافقات 2/ 302.