فهرس الكتاب

الصفحة 2849 من 19081

فقيل لهم: تزودوا قبل ذلك للمعاد. والمغرب وقت الانقلاب إلى العادة أيضا" [1] "

ويجدر التنبيه في هذا المقام إلى أن خفاء المعنى الذي شرعت الأفعال العبادية من أجله لا يعني خلوها عن الحكمة والمصلحة, إذ ما من تكليف إلا وله مصلحة في تقدير الله وعلمه, ولكن هذه الحِكَم منها ما يعقل ويفهم, ومنها ما يدِق ويخفى, وعدم وجدانها لا يدل على عدم وجودها, قال القرافي:"وأما تعيين أوقات العبادات فنحن نعتقد أنها لمصالح في نفس الأمر اشتملت عليها هذه الأوقات وإن كنا لا نعلمها, وهكذا كل تعبدي معناه أنا لا نعلم مصلحة, لا أنه ليس فيه مصلحة طردا لقاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضيل" [2]

وفي سياق شرح هذه القاعدة وبيانها فإنه تحسن الإشارة أن العلماء قد يختلفون في تصنيف بعض الأفعال من حيث اعتبارها من قبيل الأفعال معقولة المعنى التي يجري فيها القياس والاجتهاد, أو من قبيل التعبديات التي لا يعقل معناها فيجب التوقف فيها عند الحد الذي بيّنه وفصّله الشارع [3] , وهنا قد تتباين الاجتهادات الفقهية بناء على هذا الاختلاف في النظر والاعتبار, ومن أمثلة هذا المعنى وشواهده, مسألة إخراج زكاة الفطر, حيث غلَّب بعض العلماء فيها جانب التعبد, ولذا أوجب إخراجها من عين الأصناف التي ورد ذكرها بالنصوص الشرعية, ومنهم من غلب جانب التعقل فجوز إخراجها بقيمتها. [4]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] القواعد للمقري 2/ 406.

[2] الذخيرة 1/ 67، وانظر أيضا: مواهب الجليل للحطاب 1/ 177، حاشية ابن عابدين 1/ 447.

[3] انظر أمثلة على هذا المعنى في الأشباه والنظائر للسيوطي ص 406.

[4] انظر: المبسوط للسرخسي 3/ 107، المجموع للنووي 6/ 393، المغني لابن قدامة 2/ 355. وقد لا حظ الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أن كثيرا من مسائل الزكاة يتجاذبها هذان النظران فهناك من يغلب فيها جانب التعبد فيتوقف عند القدر المنصوص عليه، وهناك من يغلب جانب التعليل فيتوسع فيها بالاجتهاد والقياس، وأرجع السبب إلى أن الزكاة - وإن عدَّت من العبادات الشعائرية الأربع الكبرى، وأنها أحد أركان الإسلام العملية - ليست عبادة محضة كالصلاة والصيام والحج والعمرة، بل هي عبادة فيها معنى الضريبة، أو ضريبة فيها معنى العبادة. انظر: دراسة في فقه مقاصد الشريعة ليوسف القرضاوي ص 210 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت