و المفاسد أم لم يعلمها, قال الشاطبي:"ولا يخرجه عن ذلك عدم علمه بالمصلحة أو المفسدة أو بمقاديرهما؛ فإن الأمر قد تضمن أن في إيقاع المأمور به مصلحة علمها الله, ولأجلها أمر. والنهي قد تضمن أن في إيقاع المنهي عنه مفسدة علمها الله ولأجلها نهى عنه. فالفاعل ملتزم لجميع ما ينتجه ذلك السبب من المصالح أو المفاسد وإن جهل تفاصيل ذلك". [1]
وخلاصة الأمر أنه لا دخل لقصد المكلف وعلمه وظنه في مسؤوليته عن المسبَّبات التي ترتبت على أفعاله, إذ ما دام قد اختار عن قصد وعلم الأسباب التي تفضي إلى تلك المسبَّبات فإنه مسؤول عنها مسؤولية تامة إن خيرًا فخير أو شرًا فشر.
ترتكز هذه القاعدة في حجيتها على جملة من الأدلة الشرعية التي أرشدت بمجموعها إلى أن النتائج والآثار والمسبَّبات التي تترتب على أفعال المكلفين تعتبر من كسبهم وفعلهم, وتدخل في نطاق مسؤوليتهم, حتى ولو لم يباشروها بأنفسهم.
ومن ذلك:
من القرآن الكريم: قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يّس: 12] .
حيث قررت هذه الآية الكريمة مسؤولية الإنسان عن أعماله التي باشرها بنفسه وهو معنى قوله تعالى:"ونكتب ما قدموا", ومسؤوليته أيضًا عما ترتب على أعماله من مصالح أو مفاسد في المستقبل, وهو معنى قوله تعالى:"وآثارهم"على وفق ما ذهب إليه كثير من المفسرين , قال ابن جزي"أي ما قدموا من أعمالهم وما تركوه بعدهم كعلم علموه أو تحبيس حبسوه". [2] وقال ابن كثير في معنى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات 1/ 211.
[2] التسهيل لعلوم التنزيل 3/ 161.