فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 19081

ولقد أشار الغزالي إلى هذا المعنى في معرض تنبيهه للظلم الذي يقترفه المزيّف للنقود التي يتعامل فيها الناس, حيث يكون مؤاخذًا على جميع المفاسد التي نجمت عن فعله حتى ولو لم يقصدها؛ إذ ما دامت قد وقعت بسببه فإنها مضافة إليه وتعتبر من عمله, قال الغزالي:"ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم, إذ يستضِرُّ به المعامل إن لم يعرف, وإن عرف فسيروجه على غيره, فكذلك الثالث والرابع ولا يزال يتردد في الأيدي ويعمم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعًا عليه, فإنه هو الذي فتح هذا الباب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سنّ في الإسلام سنّة حسنة, فعُمل بها بعده, كُتبَ له مثل أجر من عمل بها , ولا يُنقص من أجورهم شيء, ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة, فعمل بها بعده, كتب عليه مثل وزر من عمل بها, ولا ينقص من أوزارهم شيء) [1] ."

وقال بعضهم:"إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم, لأن السرقة معصية وقد تمت وانقطعت, وإنفاق الزيف بدعة في الدين أظهرها وسنة سيئة يعمل بها من بعده فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة, أو مائتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم, ويكون عليه ما فسد من أموال الناس بسنته, وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه, والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة أو أكثر يعذب بها في قبره, ويسأل عنها إلى آخر انقراضها". [2]

هذا, ولا يشترط لمسؤولية المكلّف عن المسبَّبات أن يعلم بتفاصيلها ودقائقها, مصالح كانت أم مفاسد؛ إذ إن مجرد إيقاعه للفعل المشروع مع علمه بأنه سببٌ للمصالح, أو إيقاعه للفعل الممنوع مع علمه بأنه سببٌ للمفاسد, دليل على تحمله والتزامه لجميع ما ينتج عنه سواء أعلم بتفاصيل تلك المصالح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه مسلم 2/ 704 - 705 (1017) ، 4/ 2059. من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه. وهو جزء من الحديث الذي أوله"كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة. . ."الحديث.

[2] الإحياء 1/ 422.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت