أ- المراد بهذه القاعدة أن الأعمال المحرّمة الممنوعة لا تنقلب إلى أعمال جائزة مشروعة لمجرد أن يكون المقصود منها من قبل القائمين بها مشروعًا, فالسرقة جريمة محرمة لا تصبح جائزة ومشروعة إذا كان المقصود منها التصدق على الفقراء وبناء المدارس وإقامة المستشفيات, والغش والخداع والكذب خصال محرمة لا تصبح مقبولة وجائزة إذا كان المقصود منها زيادة الأرباح و تكثير الأموال. وهكذا فإن مجرد مشروعية المقصد لا يعني أن يتحول الحرام إلى حلال والمعصية إلى طاعة.
وإلى هذا المعنى نبّه الغزالي بقوله:"اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقسامًا كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفكر وذكر وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه, فهي ثلاثة أقسام: معاص, وطاعات, ومباحات:"
القسم الأول: المعاصي, وهي لا تتغير عن موضعها بالنية, فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيات"1 فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية, كالذي يغتاب إنسانًا مراعاة لقلب غيره, أو يطعم فقيرًا من مال غيره, أو يبني مدرسة أو مسجدًا أو رباطًا بمال حرام, وقصده الخير. فهذا كله جهل, والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلمًا وعدوانًا ومعصية, بل قصده الخير بالشر - على خلاف مقتضى الشرع - شر آخر, فإن عرفه فهو معاند للشرع, وإن جهله فهو عاص بجهله إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم, والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع, فكيف يمكن أن يكون الشر خيرا؟" (1) ^4609^."
فالأصل في كل فعل يراد منه التوصل إلى أمر آخر أن يكون مشروعًا في ذاته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 1/ 6، 30 (1) (54) ، 3/ 145 (2529) ، 5/ 56 (3898) ، 7/ 3 (5070) ، 8/ 140 (6689) ، 9/ 23 (6953) ، ومسلم 3/ 1515 - 1516 (1907) / (155) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[2] إحياء علوم الدين 4/ 369.