سبق تعريف الشبهة وبيان أسبابها وأقسامها عند الكلام على قاعدة"الشبهة تعمل عمل الحقيقة فيما هو مبني على الاحتياط", والقاعدة التي بين أيدينا إحدى قواعد الشبهة وواحدة من قواعد الحقوق في نفس الوقت, ومفادها أن الحقوق الثابتة للعباد لا تسقطها ولا تزيل استحقاقهم لها شبهةٌ من الشبه, بل لابد من يقين تزول به؛ إذ الحق الثابت بيقين لا يرتفع إلا بيقين مثله؛ فمهما وردت شبهة على حق مستقرّ من حقوق العباد فإن الواجب إهمال هذه الشبهة وعدم الاعتداد بها حتى ترقى من درجة الشك - الذي هو سبب لاعتبارها شبهة - إلى درجة اليقين الجازم.
وإنما كان أمر القاعدة وحكمها على ما ذكرنا من عدم إسقاط الشبهة لها؛ لأن حقوق العباد مبناها على التضييق والمشاحّة , واعتبار الشبهة وتنزلها منزلة الحقيقة ينافي, فلم تكن حقوق العباد مجالا لإعمال الشبهة واعتبارها, كما أن سقوط حقوق العباد ليس مجالا من المجالات التي شرع فيها الاحتياط, ولذا صرح العلماء بأن"حقوق العباد لا يحتاط في إسقاطها" [1] , وهذا بخلاف حقوق الله تعالى؛ فإنها مبنية على المسامحة والمساهلة, ولذلك كانت مما يسقط بالشبهات, كما أن من المقرر أن حقوق الآدميين لا تسقط بالأعذار , والشبهة عذر من الأعذار فلم تكن مسقطة لها, ولهذا فإن القاعدة تعدّ فرعا من فروع تلك القاعدة.
أما القصاص فهو مما تنازعته الجهتان؛ فإن فيه حقا لله تعالى وحقا للعبد, فمَن نظر إلى جهة حق الله تعالى فيه جعله مما يسقط بالشبهات, ومَن نظر إلى جهة حق العبد فيه لم يسقطه بالشبهات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: بدائع الصنائع 7/ 7.