1 إن الله تعالى أجرى سنته في مخلوقاته بترتيب بعضها على بعض, وربط أسبابها بمسبباتها ورتبها عليها. ولو شاء لقطع كل مسبب عن سببه وخلق المسببات مجردة عن الأسباب, والأسباب مجردة عن المسببات, لكنه قرن الأسباب بالمسببات في مطرد العادات, وهو جل جلاله مسبب الأسباب, وجعل التكاليف كلها مبنية على هذه الأسباب المعتادة من غير أن يكون للأسباب فيها تأثير بنفسها, وجعلها كالعلامة لما ربط بها من الأحكام والمصالح والمفاسد. ليعرف العباد عند وجود الأسباب ما رتب عليها من أحكام. وما رتب عليها من خير, وما رتب عليها من شر. فيأتوا ما يأتون ويدعوا ما يدعون وهم على بينة من أمرهم [1]
... قال جل من قائل: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [االأنفال 42] يقول المفسرون: والبينة إقامة الحجة والبرهان؛ أي ليموت من يموت عن بينة رآها وعبرة عاينها, فقامت عليه الحجة. وكذلك حياة من يحيا. وقال ابن إسحاق: ليكفُر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره, ويؤمن من آمن على ذلك. [2]
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة 115] يقول المفسرون: أي ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: قواعد الاحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 1/ 18
[2] - النص موجود مثله عند القرطبي في جامع أحكام القرآن 9/ 22، وقال السيوطي في الدر المنثور 3/ 188، أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله ...: {ليهلك من هلك عن بينه ويحيا من حي عن بينه} أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآيات والعبر، ويؤمن من آمن على مثل ذلك. انتهى، انظر: جامع البيان للطبري 9/ 12، والتفسير بالمأثور لابن أبي حاتم 4/ 317 (9862) .