مثال ذلك [1] : قاعدة"من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه", هذه قضية كلية مجردة وعامة, انقدحت في ذهن المفتي؛ لأن من يسعى في نقض أمر تم من جهته يعد متناقضًا. فإذا تأمل المفتي هذه القضية وجد أن جزئياتها أيضًا قضايا كلية تنطبق على من سعى في نقض بيعه, ومن سعى في نقض إجارته, ومن سعى في نقض وقفه, ومن سعى في نقض إقراره, ومن سعى في نقض قسمته ... إلخ. فإذا سأله مستفت عمن وكل رجلًا ببيع داره فباعها الوكيل, وهو شفيعها, فإنه يفتي ببطلان الشفعة؛ لأن الوكيل بطلبه الشفعة يسعى في نقض البيع الذي تم من جهته, فلا يقبل.
وهذا النوع من التطبيق الإفتائي لا بد منه في كل واقعة يستفتى فيها, وهو المسمى تحقيق المناط, لأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها, لم يتقدم لها نظير, وإن فرضنا أنه تقدم مثلها فلا بد من النظر في تحقيق كونها مِثلًا أوْ لَا, وهو نظر اجتهاد [2] .
لغة يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض: إذا حكم وفصَل. قال أهل الحجاز: القاضي معناه في اللغة: القاطع للأمور المُحْكِم لها [3] .
والقضاء اصطلاحا:
عرفه الحنفية: فصل الخصومات وقطع المنازعات على وجه خاص [4] .
وعرفه المالكية بأنه: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام [5] .
وعند الشافعية هو: إلزام من له إلزام بحكم الشارع [6] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المعايير الجلية ليعقوب الباحسين، مكتبة الرشد 1427 هـ ص 97 - 99.
[2] الموافقات للشاطبي 4/ 89، 95.
[3] لسان العرب؛ القاموس المحيط؛ المصباح المنير.
[4] حاشية ابن عابدين 5/ 352؛ الفتاوى الهندية 3/ 211.
[5] تبصرة الحكام لابن فرحون 1/ 12.
[6] مغني المحتاج للشربيني الخطيب 4/ 372.