فهرس الكتاب

الصفحة 5212 من 19081

تصرفات المكلفين ومتعلقاتها تناط صحتها ونفوذها بتحصيل مقاصدها؛ فإذا لم يحصّل التصرف أو ما يتعلق به مقصودُه الذي شُرع من أجله كان غير جائز ابتداء ويبطل إن وقع, وأولى منه إذا عاد هذا التصرف على مقصوده بالنقض والإبطال, وهذا المعنى الثاني هو موضوع القاعدة التي بين أيدينا؛ وهي إحدى القواعد التي ضمنها أبو الحسن الكرخي كتابه المعروف بـ (أصول الكرخي) الذي يُعدّ من أوائل ما ألف في القواعد الفقهية, وقد سيقت القاعدة لبيان سبب من أسباب بطلان التصرفات, وهو أن يكون في الإتيان بالفعل نقض لمقصوده الذي شرع من أجل تحصيله, وإبطال لفائدته المرجوة من ورائه, وهذا هو المراد بكلمة (موضوعه) الواردة في نص القاعدة.

وقد ضرب لها النسفي شارح تلك الأصول مثلا يوضح معناها بصورة جيدة؛ فذكر أن العبد المحجور عليه إذا آجر نفسه مدة معلومة للعمل, لم تصحّ إجارته؛ دفعا للضرر عن سيده, قال:"ولو قضينا بفسادها بعد مضي المدة وتمام العمل كان إضرارا للمولى بتعطيل منافع عبده بغير بدل, فكان دفع الضرر هنا في تصحيحها؛ إذ لو قضينا بفسادها لم يكن دفعا للضرر, بل يكون تحقيقا للضرر, فيعود النظر ضررا" [1] ومن أمثلتها كذلك صلاة الجمعة تسقط عن المريض والمسافر وغيرهما من أهل الأعذار تخفيفا عليهم, فإذا أتى أحدهم بالعزيمة وصلاها, فإنها تقع فرضا عن الوقت؛ لأنا لو لم نقل بوقوعها فرضا وألزمناه بصلاة الظهر, لعاد ذلك على موضوعه - الذي هو التيسير والتسهيل - بالإبطال, وذلك غير جائز [2] , ومن ذلك أيضا ما يذكره الفقهاء من عدم جواز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أصول الكرخي مع شرحه للنسفي ص 115.

[2] انظر: حاشية ابن عابدين 2/ 155. ويعلق ابن عابدين على المثال المذكور بقوله:"فالمراد بالموضوع: الأصل الذي بني عليه سقوط الجمعة هنا، وهو التسهيل والترخيص الذي استدعاه العذر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت