الثاني: أن أسباب ورود الحديث قد تذكر في الحديث نفسه, كأن يرد فيه موقف أو حادثة نتبين منها سبب الورود, أو ظروف وملابسات تذكر في الحديث, أو سؤال يوجه من أحد الصحابة, فيحتاج الأمر إلى بحث وتتبع لمعرفة الصحابي صاحب السؤال, وتوثيق الروايات والاطمئنان إلى صحتها.
وقد لا تذكر في الحديث نفسه, وإنما تذكر في روايات أخرى, أو في طرق أخرى للحديث, وهذا يقتضي توسعًا بحثيًا في المصادر الحديثية المعروفة؛ للربط بين أسباب الورود وأحاديثها, ومعرفة سبب الورود.
وخلاصة القاعدة: أن دراسة ومعرفة أسباب نزول القرآن وورود الحديث النبوي الشريف ذات فوائد جمة, لعل من أجلها إدراك حكمة الشارع والكشف عن مقصوده ومراده, وكذلك الكشف عن مقاصد الخطاب واللفظ الشرعي ومقاصد مضمونه, وتنزيل ذلك في واقع يتسم بالتجدد والتداخل والتعقيد, واستثمارها فيما يخدم شرع الله تعالى ويزيده نفوذًا وتمكينًا وخلودًا, وإلا ظلت دراسة ذلك تسويدًا للأوراق وطريقًا مآله الإخفاق. [1]
استقراء ما ورد من أسباب النزول والورود يبين بجلاء أنها تكشف عن مقصود الشارع, وأن الجهل بها يؤدي إلى الخلاف والشقاق والخروج من دين الله تعالى, وهذا يبين أهمية معرفة أسباب النزول والورود, وهو ما وضحه الحسن بقوله:"ما أنزل الله آية؛ إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت وما أراد بها" [2] , قال الشاطبي:"وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب". [3]
كما أكد ابن عمر أن ضلال الحرورية كان بسبب جهلهم بالقرآن وأسباب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: في فقه التدين فهما وتنزيلا لعبد المجيد النجار 1/ 96 - 97.
[2] أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 42.
[3] الموافقات 3/ 350.