والمراد بما تجري النيابة في إيفائه: الحق الذي يجوز أن ينوب شخص عن غيره في إيفائه, مثل الديون, لا ما تصح الاستنابة فيه كالحدود والاستحلاف.
ومفاد الضابط: أنه لما كان مقصد الشارع من تشريع عقد الكفالة هو تمام الاستيثاق؛ بضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في الالتزام بمقتضى العقد؛ اختص عقد الكفالة بتحمل الحقوق التي يمكن أن ينوب فيها شخص عن آخر, أما ما لا تجري فيه النيابة, فلا يصح انعقاد الكفالة عليه, لأن الأصيل في هذه العقود يكون مرادا بعينه؛ بحيث لا يمكن أن يقوم مقامه غيره, ولا يسد مسده أحدٌ سواه, كالعقوبات التي لا يصح شرعا تحملها عن الغير, فإنها لما امتنع جريان النيابة فيها؛ امتنع انعقاد الكفالة عليها.
أن المقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في الإيفاء؛ لتحقيق الاستيثاق, فإذا امتنع جريان النيابة, تعذر تحقق مقصود عقد الكفالة [2] , ومن المقرر عند الفقهاء أن كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: غمز عيون البصائر للحموي 4/ 6.
[2] انظر: المبسوط للسرخسي 9/ 106.
[3] قواعد الأحكام للعز بن عبدالسلام 2/ 143، الأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 259، الأشباه للسيوطي 285، وعبروا عنها بعبارة: (كل تصرف، لا يحصل مقصوده، فإنه لا يشرع ويبطل إن وقع) ؛ الفروق للقرافي 3/ 238، وبعبارة: (كل عقد لا يفيد مقصوده يبطل) ؛ الفروق للقرافي 3/ 260، وانظر: المناهج الأصولية للدريني 31، وبعبارة: (كل تصرف قاصر عن تحصيل مقصوده لا يشرع، ولا يبطل إن وقع) ؛ القواعد للمقري 2/ 173، وفي معناها يقول الشاطبي (المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولفت جلب مصلحةٍ ولا درء مفسدةٍ) ؛ انظر: الموافقات 2/ 333، وانظر أيضا: القواعد والفوائد للعاملي 2/ 241 - 242.