... تتناول هذه القاعدة طريقًا آخر من طرق الكشف عن المصالح والمفاسد التي تَعَلَّقَ بها القصد الشرعي جلبًا أو دفعًا. فمعلوم أن جلب المصالح الدنيوية وأسبابها, ودفع المفاسد الدنيوية وأسبابها, هو من جملة مقاصد الشريعة في أحكامها. فطرق إثبات هذه المصالح والمفاسد وأسبابها المحققة لها, إنما هو إثبات لما يقصد الشارع تحصيله أو تعطيله منها.
... والمعنى الإجمالي للقاعدة يفيد- كما هو واضح- أن المصالح الدنيوية, وكذلك المفاسد الدنيوية, تدرك وتعرف أساسًا من خلال التجارب والعادات.
... وأما تفصيل القول في هذه القاعدة, فهو أنها أولًا تختص بالمصالح والمفاسد الدنيوية. أما المصالح والمفاسد الأخروية فمعرفتها لا تتأتى إلا من الشرع. قال ابن عبد السلام:"أما مصالح الآخرة وأسبابها ومفاسدها وأسبابها, فلا تعرف إلا بالشرع, فإن خفي منها شيء طُلب من أدلة الشرع, وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح" [1]
... وقد مرت بنا قريبًا قاعدة (مقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع) , وهي عامة فيما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع من مقاصد شرعية, سواء كانت دنيوية أو أخروية. فالشرع تضمن بيان المصالح الأخرويةِ, وكثيرٍ من المصالح الدنيوية أيضًا. ولكن أكثر المصالح الدنيوية لم يأت الشرع ببيانها, بل ترك للناس تعرفها, أو تعرف تفاصيلها ووجوهها وأسبابها, بعقولهم وتجاربهم وخبراتهم. وهذا هو موضوع قاعدتنا.
فالقاعدة تتعلق بمجمل القدرات والوسائل البشرية, التي تمكن الإنسان من إدراك المصالح والمفاسد الدنيوية وأسبابها ومراتبها ومآلاتها ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام 1/ 13.