ويدخل في هذه المدارك: العقلُ والحواس والفطرة والتجربة. فهذه المدارك كلها - إذا استعملت بشكل سليم - تشكل طرقًا سالكة لمعرفة المصالح والمفاسد التي قرر الشرع أصولها ومشروعيتها, ودعا إلى تحصيلها وتنميتها. قال ابن عبد السلام:"وأما مصالح الدنيا وأسبابُها ومفاسدُها وأسبابُها, فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات. فإن خفي شيء من ذلك طُلب من أدلته, ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما, فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به, ثم يبني عليه الأحكام. فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يَقِفْهم على مصلحته أو مفسدته" [1]
... فالشرع قد قرر كثيرًا من المصالح والمفاسد الدنيوية, ولكنه لم يفصلها, ولم يبين حدودها ومراتبها, ولا مقاديرها ولا أسبابها, ولا طرق تحصيل المصالح وطرق اتقاء المفاسد, أو بين من ذلك بعض بعضه وسكت عن معظمه. وكل هذا مخوَّل لقدرات الناس وتجاربهم.
... ومن ذلك ما سماه الأصوليون"تحقيق المناط"؛ وهو الاجتهاد في تحديد الحالات المعينة التي تنطبق عليها الأوصاف والأحكام والقواعد التشريعية المجردة. وهو اجتهاد يتوقف على المعرفة التجريبية العملية أكثر مما يتوقف على المعرفة الشرعية النظرية,"لأن المقصود من هذا الاجتهاد, إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه. وإنما يُفتقر فيه إلى العلم بما لا يُعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قصدت المعرفة به. فلا بد أن يكون المجتهد عارفًا ومجتهدًا من تلك الجهة التي ينظر فيها ليتنزل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى" [2]
... فالشرع قرر أنْ"لا ضرر ولا ضرار", وقرر العلماء أن الأصل في المنافع الحل وفي المضار الحرمة. وتحقيق المناط هو النظر في مختلف الحالات, وتحديد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 13.
[2] الموافقات للشاطبي 4/ 165.