ولذلك كان كل ما أمكن إثباته بالبينة الشرعية صحت فيه الدعوى وسمعت, ومالا فلا, فلا تسمع دعوى بمجهول كأن يدعي على شخص شيئا ولا يبينه, ولا تسمع الدعوى بمستحيل, لأنه لا يمكن إقامة البينة عليه, فلا تسمع الدعوى به, وكذلك الدعاوى التي يقطع بكذبها, لعدم صحة البينة عليها, فإنها لا تسمع الدعوى بها.
وهذا الضابط نص عليه الشافعية, ويوافق عليه سائر المذاهب [1] ؛ لأن محل الدعوى هو المدعى به, وهو الحق الذي يطالب به شخص من آخر, فإذا كان المدعى به لا يمكن إقامة الدليل عليه, ولا يمكن إثباته بإحدى البينات التي قررها الشرع, فلا تسمع الدعوى به؛ لأنها عبث وضياع للوقت؛ لأن القاضي لا يحكم للمدعي بالمدعى به إلا إذا أثبته أمامه في مجلس القضاء [2] .
وهذا ما أكدته الضوابط ذات العلاقة.
1 -روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا من حضرموت ورجلا من كندة اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال الحضرمي: يا رسول الله, إن هذا غلبني على أرض لي كانت لأبي, فقال الكندي: هي أرضي في يدي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فتح القدير 6/ 137، 141، بدائع الصنائع للكاساني 6/ 222، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 144، الفروق للقرافي 4/ 72، المهذب 5/ 542، الحاوي 21/ 323، تبصرة الحكام 1/ 111، مواهب الجليل 6/ 124، المغني لابن قدامة 9/ 84، البحر الزخار 4/ 393 ط 1368 هـ، نظرية الدعوى ص 303، 343، التنظيم القضائي ص 302، القواعد الفقهية لآل الشيخ 1/ 355.
[2] الموسوعة القضائية 20/ 271 وما بعدها، وجاء في الموسوعة الفقهية:"لأن المقصود بالدعوى هو إصدار الحكم فيها، والمقصود بالحكم فصل الخصومة بإلزام الحقوق برد الحق إلى صاحبه، ولا إلزام مع الجهالة"ثم قالت:"ومن جهة أخرى فإن صحة الشهادة مرهونة بمطابقتها للدعوى، فإن كانت الدعوى مجهولة المدعى به لم تصح الشهادة عليها، لأنها لا تصح على المجهول، فتكون الدعوى مرفوضة لعدم إمكان إثباتها"المرجع السابق 20/ 299.