الأفعال, كمشروعية أكل المطعومات المحرمة عند الضرورة استثناء من أصل التحريم, ومشروعية النظر إلى المخطوبة استثناء من أصل الأمر بغض البصر.
... قال العز بن عبدالسلام:"اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة تجمع كل قاعدة منها علة واحدة, ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقة شديدة أو مفسدة تُربي على تلك المصالح, وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين أو في أحدهما تجمع كل قاعدة منها علة واحدة, ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقة شديدة أو مصلحة تُربي-أي تزيد - على تلك المفاسد, وكل ذلك رحمة بعباده ونظر لهم ورفق, ويعبر عن ذلك كله بما خالف القياس, وذلك جار في العبادات والمعاوضات وسائر التصدقات". [1] وتعدّ هذه القاعدة من لوازم وآثار خاصية السماحة والرحمة التي تتصف بها الشريعة الإسلامية, فالله تعالى إذا حرم الأفعال الضارة الفاسدة, فإنه يفتح لعباده أبواب الحلال الكثيرة, ما يعينهم على اجتناب الحرام وتفادي أضراره ومفاسده؛ ويجعلهم بمندوحة عن اللجوء إليه ابتداء, فالمقصود إذا هو تحقيق مصالح العباد وليس النكاية بهم أو إعناتهم.
قال ابن عاشور:"لقد تأصل مما أفضنا به القول في مبحث سماحة الشريعة ونفي الحرج عنها, ما فيه مقنع من اليقين بأن الشريعة لا تشتمل على نكاية بالأمة. فإن من خصائص شريعة الإسلام أنها شريعة عملية تسعى إلى تحصيل مقاصدها في عموم الأمة وفي خويصة الأفراد, فلذلك كان الأهم في نظرها إمكان تحصيل مقاصدها, ولا يتم ذلك إلا بسلوك طريق التيسير والرفق. وأحسب أن انتفاء النكاية عن التشريع هو من خصائص شريعة الإسلام ولما دل عليه القرآن من أنه قد أوقع النكاية ببعض الأمم في تشريع لها, قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء- 160 - 161] ,"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 283.