بل هناك أهواء نفسية معنوية, قد لا تقل ضراوة وخطورة عن الشهوات الحسية المادية؛ وذلك كحبِّ الرياسة والسلطة, وحب الوجاهة والظهور, وحب المدح والثناء, وحب الانتصار والغلبة."وقد يكون الهوى في العلم, فيخرج بصاحبه إلى ضد ما يأمر به العلم. وقد يكون في الزهد فيخرج إلى الرياء" [1]
... والهوى قد يتسلل حتى يدخل في الأفكار والمعتقدات, كما نبه على ذلك الجصاص بقوله:"واعتقاد المذاهب بالهوى يكون من وجوه ... منها هوى تركِ الاستقصاء للمشقة, ومنها هوى ما جرت به عادته لألفة له." [2]
فكل هذه الصفات والنوازع, إذا استبدت بصاحبها وتحكمت في سلوكه, فهي من الأهواء التي جاءت الشريعة لإخراج المكلفين عنها وتحريره من سلطانها.
وإذا ظهر أن اتباع الهوى المذموم, يراد به الانقياد له والاسترسال فيه بلا قيد ولا ضابط, فمعناه أن هذا هو مناط الذم والتحذير والوعيد, وهو موضوعُ قاعدتنا, وليس الهوى الذي قد يكون موافقا للصواب متضمنا للنفع. فإذا كان الهوى - في معظم أحواله - ضارا وسيئ العاقبة, فإن من الهوى ما يكون نافعا, بل يكون ضروريا ولا غنى عنه في بعض الحالات. قال ابن الجوزي:"اعلم أن الهوى ميلُ الطبع إلى ما يلائمه. وهذا الميل قد خُلق في الإنسان لضرورة بقائه؛ فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل, وإلى المشرب ما شرب, وإلى المنكح ما نكح, وكذلك كل ما يشتهيه فالهوى مستجلِب له ما يفيد, كما أن الغضب دافعٌ عنه ما يؤذي. فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق, وإنما يذم المفرط من ذلك, وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار. ولما كان الغالب من مُوافِقِ الهوى, أنه لا يقف منه على حد المنتفع, أُطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر" [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ذم الهوى لابن الجوزي 1/ 16.
[2] أحكام القرآن للجصاص 4/ 195.
[3] ذم الهوى لابن الجوزي 1/ 12.