فهرس الكتاب
"لأن هيئته لا تخالف العادة, ولا تُذَكّر بالعبادة, وزمنه طويل فيكثر فيه النسيان, فيعذر" [1] .
ومبنى التفريق في القاعدة بين وجود الهيئة المذكرة وعدمها هو اعتبار التقصير؛ فالنسيان مع وجود الهيئة المذكرة دليل على التقصير,"والمقصر غير معذور" [2] , ومع عدمها دليل على عدم التقصير؛ قال صاحب كشف الأسرار:"النسيان ضربان: ضرب أصلي, وهو ما يقع فيه الإنسان من غير أن يكون معه شيء من أسباب التذكر, وهذا القسم يصلح عذرا؛ لغلبة وجوده. وضرب يقع المرء فيه بالتقصير بأن لم يباشر سبب التذكر مع قدرته عليه؛ وهذا الضرب يصلح للعتاب, أي لا يصلح عذرا للتقصير؛ لعدم غلبة وجوده" [3] .
وهذه القاعدة في شطرها الثاني المصرح فيه بمفهومها لها علاقة وثيقة بقاعدة:"المشقة تجلب التيسير" [4] ؛ لأن وجود النسيان مع عدم وجود المذكر كثير غالب, وفي الاحتراز عنه مشقة, فعُفي عنه, وأما مع وجود المذكر فالنسيان قليل نادر, ولا مشقة في الاحتراز عنه؛ فلا يعذر به؛ قال العز بن عبد السلام:"الشرع قد فرق في الأعذار بين غالبها ونادرها, فعفا عن غالبها؛ لما في اجتنابه من المشقة الغالبة, وآخذ بنادرها؛ لانتفاء المشقة الغالبة" [5] .
والقاعدة محل إعمال عند فقهاء الحنفية والشافعية, والحنفية هم أوسع الناس إعمالا لها, أما الشافعية فالأصل عندهم في هذا الباب هو التفريق بين المأمورات والمنهيات؛"فالنسيان عذر في المنهيات دون المأمورات" [6] , وأما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: تبيين الحقائق للزيلعي 1/ 159.
[2] بدائع الصنائع للكاساني 7/ 5.
[3] كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري 4/ 277.
[4] المنثور 3/ 169، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 76.
[5] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 4 - 5.
[6] المنثور للزركشي 3/ 272.