وإنما قيل: إن الاستثناء في هذا النوع يعتمد على اجتهاد العلماء في الغالب, لأن بعض المستثنيات في هذا النوع قد تكون ثابتة بنص شرعي؛ وما ثبت بنص شرعي يجوز عند الجمهور: أن يُعقَل له معنى وأن لا يعقل له معنى كما سبق بيان ذلك, وإذا كان الأمر كذلك فإن العالم ينظر فيما ثبت استثناؤه بالنص الشرعي؛ فإن لم يظهر له المعنى الذي لأجله حصل الاستثناء اعتبر هذا المستثنى من النوع الأول, وإن ظهر له المعنى الذي لأجله حصل الاستثناء اعتبر هذا المستثنى من النوع الثاني.
ومن أمثلة هذا النوع: أن من القواعد الفقهية قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) وهي قاعدة مشهورة لدى العلماء [1] , وهي تعنى الحكم باستمرار بقاء الشيء على الحالة التي ثبتت له [2] , ومن المسائل التي يمكن النظر في دخولها في هذه القاعدة: ما لو ادعى المودَع ردَّ الوديعة إلى صاحبها, وأنكر المودِع ذلك؛ فتخريج المسألة على القاعدة يقتضي أن يُحكَم ببقاء الوديعة, لأن الحالة السابقة هي ثبوت الوديعة عنده, والأصل بقاء هذه الحالة, فينبغي ألا نترك مقتضى هذه القاعدة إلا ببينة يقيمها المودَع على الرد. إلا أن هذه المسألة من المسائل التي استثناها بعض العلماء من هذه القاعدة, حيث قالوا: إن المودَع يصدق في الرد بيمينه, وهذا الاستثناء معقول المعنى, حيث علله بعضهم بأن المودَع يدعي براءة ذمته من الضمان, و الأصل براءة الذمة [3] .
وقد يقال إن هذا التعليل محل نظر؛ لأن قاعدة (الأصل براءة الذمة) تعتبر حين لا يسبقها ثبوت شغل الذمة, أما إذا سبقها ثبوت شغل الذمة فالاعتماد عليها غير مسلَّم [4] , والتعليل الوجيه: أن المودَع متبرع في الغالب بحفظ الوديعة, فهو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي 51؛ والأشباه والنظائر لابن نجيم 57.
[2] انظر: درر الحكام 1/ 23.
[3] انظر: درر الحكام 1/ 24؛ وشرح مجلة الأحكام العدلية للمحاسني 1/ 35.
[4] انظر: درر الحكام (1/ 25) ، وشرح مجلة الأحكام العدلية للمحاسني 1/ 37.