أماراته وعلاماته قد يتحقق وقد يتخلف, والأحكام تبنى - شرعا وعقلا - على ما وقع حقيقة لا على ما يظن وقوعه وحصوله.
ومن رأى أن ظهور أمارات الشيء تنزل منزلة تحققه, اعتبر قاعدة: (لا يحكم على الشيء قبل وقعه) أصلا استثني منه رأيهم كما استثني منه العديد من القواعد [1] كقاعدة: (الغالب كالمحقق) , إذِ الغالب يدل على كثرة الوقوع وندرة التخلف [2] , وقاعدة: (ما قارب الشيء يعطى حكمه) , وقاعدة: (المتوقع هل يجعل كالواقع) - في شقها القائل بأنه كالواقع - وهي أعم من قاعدتنا التي تقتصر على ما كان متوقعًا بالنظر إلى ظهور أماراته وعلاماته, بينما تعم الأولى ما ذكر وسواه مما ليس عليه أمارات أو علامات [3] .
فلو ظهرت أمارات الإفلاس على المدين - مثلا - بأن ظهر عليه العجز عن كسب قدر حاجته, أو التبذير والإسراف في نفقته, فهل يستحق الحجر عليه أم لا؟ والجواب - تخريجا على القاعدة الخلافية - على وجهين:
الأول: يحجر عليه الحاكم في ماله: لأن في تركه متصرفا فيه إضاعة له وإبطالا لحقوق غرمائه.
الثاني: لا يجوز أن يحجر عليه لقدرته على أداء دينه, ولأن في إيقاع الحجر عليه تعجيل الحكم لعلة مظنونة غير متحققة, وذلك غير جائز [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قال السبكي في شرحه لقاعدة: (لا يحكم على الشيء قبل وقعه) "وإن شئت قل: لا يثبت حكم المعلوم قبل وقوعه، ليشمل الموجود والمعدوم. وهذا أصل مقرر قد يُنقض"الأشباه والنظائر للسبكي 1/ 97.
[2] انظر: الموافقات للشاطبي 2/ 361، وانظر صياغة القاعدة في قسم القواعد الفقهية من قواعد المعلمة.
[3] انظر: القاعدة في قسم القواعد الفقهية من قواعد المعلمة.
[4] انظر: الحاوي للماوردي 6/ 265، الشرح الكبير للرافعي 10/ 203، روضة الطالبين للنووي 4/ 129، المنثور للزركشي 2/ 352.