فهرس الكتاب

الصفحة 10153 من 19081

عليهما, وبهما احتج أصحاب القول الآخر, وسألت شيخنا عن ذلك ; فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر, وأن التوبة مطهرة, وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة, وأبيا إلا أن يطهرا بالحد, فأجابهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك, وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد, فقال في حق ماعز:"هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه" [1] , ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه

اعترف به:"اذهب فقد غفر الله لك" [2] , وبين أن يقيم, كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته, وأبيا إلا التطهير به, ولذلك ردهما النبي صلى الله عليه وسلم مرارا, وهما يأبيان إلا إقامته عليهما, وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة ألبتة, وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه ألبتة, وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط" [3] ."

ولكن عند التأمل يتبين أن الذين قالوا بعدم سقوط الحدود بالتوبة قبل الرفع إلى الإمام إنما قصدوا بذلك عدم سقوطها في ظاهر الحكم, أي أن الجاني إذا تاب, ثم رفع أمره إلى الحاكم بعد ظهور توبته فإن الحد لا يسقط عنه, أما فيما بينه وبين الله تعالى إذا صحت توبته سقط بها سائر الحدود [4] , فلو مات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه أبو داود 4/ 145 (4419) ؛ والإمام أحمد 36/ 214، 218 (21890) ، (21892) عن نعيم بن هزال عن أبيه رضي الله عنه.

[2] رواه البخاري 8/ 166 - 167 (6823) ومسلم 4/ 2117 (2764) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه - قال:"كنت عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي، ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم-، فلما قضى النبي الصلاة، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقم في كتاب الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو حدك".

[3] إعلام الموقعين لابن القيم 2/ 60 - 61.

[4] انظر: روضة الطالبين للنووي 10/ 146، تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي 9/ 164، مغني المحتاج للشربيني 5/ 504.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت