ومن أمثلة هذا السبب: أن من القواعد الفقهية قاعدة (الأمين لا يضمن [1] . ومعناها: أن من حُكِم له بأنه أمين فإنه لا يضمن ما تلف في يده بغير تعد ولا تفريط, ويدخل في هذه القاعدة مسألة الأجير المشترك [2] , كالخياط والغسال والمهندس, فإن كل واحد منهم محكوم له بأنه أمين, فالتخريج على القاعدة المتقدمة يقتضي ألا يُحْكَم على كل واحد منهم بضمان ما تلف في يده, ولكن عدم الضمان يؤدي إلى تساهلهم في حفظ أموال الناس, فمصلحة الناس إنما تتم بالحكم بتضمينهم, ولذلك حكم كثير من العلماء باستثناء هذه المسألة من القاعدة المتقدمة, وأعطاها حكمًا آخر, وهو وجوب الضمان على الأجير المشترك [3] , وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في شأن تضمين الأجير المشترك:(لا يُصْلِح الناسَ إلا ذلك) [4] , وفي هذا تنبيه على رعاية المصلحة في هذا الحكم, وقد أشار الشاطبي لذلك بقوله:
"تَرْكُ الدليلِ [5] لمصلحةٍ, كما في تضمين الأجير المشترك" [6] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المغني لابن قدامة 12/ 550. وعلى الرغم من شهرة معنى هذه القاعدة إلا أنه لم يتم الوقوف على نص لها في كتب القواعد الفقهية، وقد ورد في شأنها ما رواه الدارقطني 3/ 41 (167) ؛ والبيهقي في الكبرى 6/ 289 من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ضمان على مؤتمن) .
[2] الأجير المشترك: هو من يقع العقد معه على عملٍ معين، أو على عملٍ في مدةٍ بحيث لا يَسْتَحِق المستأجرُ جميعَ نفعه فيها، وسمي مشتركًا لأنه يتقبل أعمالًا لعدة أشخاص في وقت واحد، فهم مشتركون في منفعته. انظر: المغني 8/ 103.
[3] انظر: المغني 8/ 103.
[4] بهذا اللفظ أخرجه البيهقي في كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء. انظر: السنن الكبرى 6/ 122.
[5] ترك الدليل هنا يقابله في البحث ترك القاعدة؛ إذ إن القاعدة مأخوذه من الدليل.
[6] الاعتصام 372.