ومثال هذا السبب: أن من القواعد الفقهية قاعدة (الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته [1] . ومعناها: أن الشيء الحادث إذا لم يدل دليل على وقت حدوثه, وكان قابلًا لإضافته للزمن القريب والبعيد, فإن هذه القاعدة تبين أنه يضاف للوقت القريب, ومن المسائل التي تندرج في هذه القاعدة المسألة الآتية: لو استأجر شخص آخر لكي يحفظ له مالًا مدة سنة بأجرة معلومة, ثم إن المال تلف, فادعى الأجير أن المال تلف بعد انتهاء السنة فله الأجرة كاملة, وادعى المستأجر أن المال تلف بعد شهر فلا يستحق الأجير إلا أجرة شهر؛ فالتخريج على هذه القاعدة يقتضي أن يضاف الحادث - وهو تلف المال - إلى أقرب أوقاته, فيحكم بأن القول للأجير, ويستحق الأجرة كاملة, لكن هذه المسألة مستثناة من القاعدة, بسبب معارضة قاعدة أخرى هي بها أولى, وهي قاعدة(الأصل براءة الذمة) ؛ فإن الأجير والمستأجر قد اتفقا على شغل ذمة المستأجر بأجرة شهر, وما زاد عن أجرة الشهر فالأجير يدعيه, والمستأجر ينكره, ولا بينة عند الأجير, فالأصل براءة الذمة, فيحكم بأن القول للمستأجر. وقد نص عدد من العلماء على أن سبب الاستثناء من هذه القاعدة هو معارضة قاعدة (الأصل براءة الذمة) لها, ومن ذلك قول علي حيدر عن المثال السابق مع مثال آخر:
"والحاصل أن طلب الأجر وطلب الحكم بناء على الإقرار أصبحا خارجين عن قاعدة (الأصل إضافة الحوادث إلى أقرب أوقاتها) لمعارضة قاعدة (الأصل براءة الذمة) لهما في هذه المسائل" [2] .
ومن ذلك قول المحاسني عن المستثنيات من هذه القاعدة:
"إن جميع هذه الاستثناءات ناتجة عن تقييد المادة الثامنة لهذه المادة, لأن الاستثناءات تخالف المادة الثامنة المذكورة" [3] ومراده بالمادة الثامنة قاعدة (الأصل براءة الذمة) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم 64؛ ومجلة الأحكام العدلية (3) المادة رقم (11)
[2] درر الحكام 1/ 29.
[3] شرح مجلة الأحكام العدلية 1/ 43.