المنهيات آكد في اعتبار الشارع من المأمورات: قال ابن رجب:"والتحقيق في هذا أن الله لا يكلف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به. وقد أسقط عنهم كثيرا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم, و رحمة لهم, وأما المناهي فلم يعذر أحدًا بارتكابها بقوة الداعي والشهوات, بل كلفهم تركها على كل حال, وإنما أباح أن يتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة, لا لأجل التلذذ والشهوة. ومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد رحمه الله:"إن النهي أشد من
الأمر". [1] "
2 -عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:"يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية, لأمرت بالبيت فهدم, فأدخلت فيه ما أخرج منه, وألزقته بالأرض, وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا, فبلغت به أساس إبراهيم." [2]
وجه الدلالة في هذا الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتنع عن فعل المصلحة, وهو إعادة البيت على قواعد إبراهيم , التفاتًا منه إلى المفسدة التي تحتفّ بها, وهي نفور العرب وإيحاش قلوبهم, وفي هذا تقديم لدرء المفسدة على جلب المصلحة,, قال النووي:"وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح, أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة, بدئ بالأهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم مصلحة, ولكن تعارضه مفسده أعظم منه, وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا؛ وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة, فيرون تغييرها عظيمًا فتركها صلى الله عليه وسلم" [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 97.
[2] رواه البخاري 1/ 37 (126) ، 2/ 146 (1584) ، 2/ 147 (1586) ومسلم 2/ 969 (1333) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.
[3] شرح النووي على صحيح مسلم 9/ 89.