بعض قواعده, في ضوء المادة الفقهية الغنية التي أودعها فيه, لأن الذين ألفوا في قواعد الفقه من المتقدمين, كل منهم صاغ ما صاغ منها حسب ما كان يقتضيه المقام والغرض من التأليف. وعلى كل حال فلا اختلاف بينهم في أن تقعيد القاعدة وصياغة متنها في ذاته, وسبك قالبها, وحبك نصها المجرد, يستوجب الإيجاز والدقة.
وقد تصاغ القاعدة الواحدة بصيغ متعددة لكل منها حظها من الإيجاز والدقة, فحينئذ إذا أردنا المفاضلة بينها أجريناها على أساس صفتي الأوجزية والأدقية معا, كقاعدة نفي النقض عن الاجتهاد التي انعقد عليها الإجماع, فقد وردت فيها صيغ متعددة منها:
الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد [1] .
الاجتهاد لا ينقض بمثله.
لا ينقض الحكم في الاجتهادات.
فالصيغة الأولى والثالثة مكونة من خمس كلمات, فهما أوجز من الثانية التي تتكون من ست كلمات وإن كانت أقل منهما عند التلفظ, غير أنهما أدق منها في أداء المعنى المراد, لأن لفظ"بمثله"في القاعدة الثانية يدل - عن طريق مفهوم المخالفة - على أن الاجتهاد قد ينقض باجتهاد أعلى منه, وليس كذلك [2] , لأن الاجتهادات مبنية غالبا على الظن والترجيح. ويمكن اعتبار الصيغة الثالثة - وهي لابن السبكي [3] - أدق منهما معا, لأن النقض فيها أُسند إلى محله الذي هو له, وهو الحكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سيأتي بيان هذه القاعدة في موضعها ضمن القواعد الأصولية.
[2] هذا في النظام القضائي القائم على درجة واحدة في التقاضي، ويكون الحكم فيها نهائيا، ولكن النظم القضائية اليوم في العالم الإسلامي، كما في العالم كله، أصبحت تأخذ بتعدد درجات التقاضي. وعلى هذا الأساس أصبح بالإمكان أن تنقض محكمة أعلى ما قضت به محكمة أدنى. وفي هذه الحالة تكون صيغة القاعدة (الاجتهاد لا ينقض بمثله) أنسب، لكونها تستوعب هذا التطور في النظام القضائي.
[3] انظر جمع الجوامع بشرح المحلى 2/ 392.