في شرح قوله صلى الله عليه وسلم:"إن رضي به شاركه": أي"في الإثم لأن الراضي بالمعصية كفاعلها, فإذا تأملت الذنوب القاصرة وجدتها متعدية غالبًا [1] ".
والقاعدة قوية التأثير في الأحكام الشرعية لسببين:
أولهما: تنوع التصرفات التي لا يكون إيقاعها ارتكابا لمحرم لذاته ولكنه يترتب عليه تقرير معصية.
ثانيهما: كثرة ابتلاء المكلف بالمواقف المقتضية لمخالطة مرتكبي المخالفات الشرعية وهم متلبسون بها؛ من ذلك ما يروى عن الإمامين مالك و الشافعي , حيث سُئل الأول عن الرجل يدعى إلى الوليمة وفيها شراب أيجيب الدعوة؟ فقال: لا؛ لأنه أظهر المنكر. وقال الثاني: إذا كان في الوليمة خمر أو منكر وما أشبهه من المعاصي الظاهرة نهاهم, فإن نَحَّوْه وإلا رجع, وإن علم أن ذلك عندهم لم أحب له أن يجيب [2]
وتأكيدا لأهمية القاعدة التي بين أيدينا فإن القرطبي عبر عنها بأنها مسألة عظمى مبينا وجه خطورتها, فقال في معرض تفسيره لقوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} [آل عمران 82] :"أي ونكتب قتلهم الأنبياء , أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء؛ لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم. وحسن رجل عند الشعبي , قتل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي: شركت في دمه. فجعل الرضا بالقتل قتلا؛ رضي الله عنه. قلت: وهذه مسألة عظمى, حيث يكون الرضا بالمعصية معصية [3] ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي 2/ 22
[2] انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال 7/ 292.
[3] -تفسير القرطبي 4/ 294؛ ويقول ابن حزم:"فمن استجاز القعود في مكان هذه صفته فهو مثل المستهزئ الكافر بشهادة الله تعالى، فمن أقام حيث حرم الله عز وجل عليه القعود فقعوده وإقامته معصية"، المحلى لابن حزم 4/ 45.