وسبلها, وأن يعملوا على إزالتها بالكلية ماداموا قادرين على ذلك, أو يعملوا على تقليلها عند العجز عن إزالتها؛ فيعمد المكلف إلى المنكرات الموجودة فيُعدِمها أو يقلل من وجودها, وإلى ما هو بصدد الحصول والحدوث منها فيمنع وقوعه.
وتغيير المنكر قد يكون عن تطوع وقد يكون عن ولاية يجعلها الحاكم لأناس يتصدون لهذا الأمر فيما كان يعرف قديما بولاية الحسبة ويكون للمحتسب من الصلاحيات ما لا يكون للمتطوع, وقد ذكر الماوردي رحمه الله تعالى تسعة فروق بين المتطوع والمحتسب في هذا الباب أهمها أن فرض ذلك متعين على المحتسب دون المتطوع, وأن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة لإنكارها دونه, وأن له أن يعزِّر في المنكرات الظاهرة لا يتجاوز إلى الحدود, وليس للمتطوع أن يعزر على منكر [1] . وتغيير المنكر يكون من كل أحد إلا أنه يتأكد أمره في حق مَن كانت له هذه الولاية وكذا كل من كانت له ولاية على صاحب المعصية كالآباء على أبنائهم وأوصياء اليتامى عليهم فإن لهؤلاء إنكار منكراتهم بكل طريق ولو باليد لتمكنهم من ذلك.
وتغيير المنكر على مراتب جاءت صريحة وواضحة في قول النبي, صلى الله عليه وسلم,:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان" [2] ؛ قال القاضي عياض رحمه الله:"هذا الحديث أصل في صفة التغيير؛ فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا كان أو فعلا؛ فيكسر آلات الباطل, ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله, وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه ...."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأحكام السلطانية للماوردي ص 349، 350.
[2] رواه مسلم في صحيحه 1/ 69 (49) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.